حاصرة الخوف في الجنوب: سكان بين منازلهم والنزوح الإجباري

فاتن كحيلبيتي على بُعد أمتار، لكنّي لا أجرؤ على العودة إليه. أدفع إيجار منزل آخر وأراه أمامي كلّ يوم، فيما أخشى أن أخسر بيتي وحياتي إن حاولت الوصول.بهذه الحسرة يختصر سليم يزبك مأساة عائلات في دير ميماس اضطرت إلى ترك منازلها من دون مغادرة البلدة. فمنزله القائم عند أطرافها قرب مواقع القوات الإسرائيليّة، لا يزال قائماً، لكن الوصول إليه بات محفوفاً بالأخطار. وبين البيت الذي تركه والمسكن الذي استأجره في البلدة، أمتار قليلة، ومسافة تحولت إلى حاجز يفصل عائلته عن حياتها السابقة.لا تقتصر معاناة سليم على أعباء الإيجار في ظلّ ظروف اقتصاديّة صعبة، بل تتجاوزها إلى رؤية منزله أمام عينيه من دون أن يستطيع دخوله. وهكذا، القرب الذي يُفترض أن يولّد الطمأنينة، صار سبباً إضافيّاً للحسرة.بلدة واحدة وواقعانفي دير ميماس، وبرج الملوك، وشبعا، وكفرشوبا، وحلتا وبلدات أخرى في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، لا تتوزّع المعاناة بالتساوي. فبينما يتمكّن بعض السكان من متابعة شؤونهم اليوميّة، يواجه آخرون قيوداً ومخاطر تحول دون وصولهم إلى منازلهم وأراضيهم. ولا يعني البقاء في البلدة أن الحياة تسير طبيعيّا، إذ تعوق السواتر الترابية حركة المرور على بعض الطرق، فيما تجعل الأخطار الأمنية المرتبطة بالقرب من مواقع القوات الإسرائيليّة التنقل مجازفة.ويمتدّ هذا الواقع إلى الأراضي الزراعيّة، حيث يتعذّر على بعض أصحابها بلوغ حقولهم للاعتناء بأشجار الزيتون وجني محاصيلهم، بما يهدّد مصدراً أساسيّاً للدخل لدى عائلاتهم. وهكذا، تتراكم الأعباء بين كلفة السكن الإضافي واحتمال خسارة الموسم الزراعي، فيما تتراجع قدرة السكان على الاعتماد على مواردهم المحليّة.مسؤوليات تتجاوز قدرة البلدياتفي ظلّ هذه الظروف، تجد البلديّات نفسها مسؤولة عن خدمة جميع السكان، فيما تحدّ الأخطار الأمنية وصعوبة الوصول من قدرتها على التحرك والاستجابة، ليصبح الحفاظ على الخدمات الأساسيّة، من المياه إلى البنى التحتية مهمّة شاقة، إذ تحولت الطرق نفسها مصدراً للخطر.في كفرشوبا مثلاً، يبرز تحدي الوصول إلى مضخة مياه خارج البلدة، بعدما انقطعت الكهرباء التي كانت تغذّيها. واضطرّ مسؤولون بلديون إلى التصرف لإيصال الوقود وإعادة تشغيلها. ويقول رئيس المجلس البلدي قاسم قادري: ليس لدينا خيار آخر، علينا أن نذهب إلى هناك.ويتحدث الموظّف البلدي محمد الحاج عن تردّد السكان في الوصول إلى أراضيهم، موضحاً أن الخوف لا يرتبط بالضرورة بوجود منع رسمي، بل بالغموض المحيط بمكان الخطر وحدوده.وتقول فريال عبد العال، من سكّان كفرشوبا: لا نعرف متى يدخل الجيش الإسرائيلي بيوتنا. لا أمان.وتوضح رئيسة بلدية دير ميماس تانيا برنابا أن الوصول إلى بعض المنازل أو القرى المجاورة يفرض سلوك طرق طويلة بدلاً من استخدام الطرق الأقرب.ولا تقتصر التداعيات على التنقل والخدمات الأساسيّة، بل تطال النشاط الاقتصادي أيضاً. ففي مرجعيون، اضطر زياد إلى إقفال صيدليته بسبب قربها من موقع عسكري إسرائيلي، ما يحد من قدرة السكان على الحصول على خدمات يحتاجون إليها في محيطهم.بين القيود والانتظارفي جنوب لبنان، لا تُقاس المسافة إلى الحياة التي عرفها الناس بالأمتار، بل بقدرتهم على استعادتها. فحين يصبح المنزل مصدر قلق بدلاً من أن يكون ملاذاً، وتتحوّل الأرض التي ورثتها العائلات عن آبائها إلى مكان يتعذّر الوصول إليه، لا تعود الخسارة محصورة بما تضرّر أو فُقد، بل تمتدّ إلى ضرب الإحساس بالأمان والقدرة على التخطيط للغد. وبين ما يحتفظ به الناس من ارتباط بقراهم وما تفرضه الأخطار على يوميّاتهم، يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: كيف يمكن الإنسان أن يستعيد حياته، فيما لا يزال يشعر بأنه غريب عن المكان الذي ينتمي إليه؟

حاصرة الخوف في الجنوب: سكان بين منازلهم والنزوح الإجباري

تحكي قصص سكان عدة بلدات في جنوب لبنان عن واقع قاسٍ لا يقل ألماً عن النزوح نفسه: البقاء في الوطن مع استحالة الوصول إليه. فبينما تقف منازل عائلات على بُعد خطوات قليلة منهم، يجدون أنفسهم عاجزين عن الاقتراب منها، مضطرين لاستئجار مساكن بديلة وهم يراقبون بيوتهم من بعيد، وسط ظروف اقتصادية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

في دير ميماس وبرج الملوك وشبعا وكفرشوبا وحلتا وغيرها من البلدات في مرجعيون وحاصبيا، لا تقتصر المعاناة على خطر قريب من المواقع العسكرية الإسرائيلية، بل تمتد إلى تقييد حركة السكان بسواتر ترابية وغموض حول حدود المناطق الآمنة. السواقون يترددون في الوصول لأراضيهم وحقول الزيتون التي يعتمدون عليها، خائفين من تبعات قد تكلفهم حياتهم أو ممتلكاتهم.

تواجه البلديات في هذه المناطق تحديات لا تستطيع التعامل معها بمفردها، إذ أصبح الوصول إلى شبكات المياه والبنى التحتية الأساسية مهمة محفوفة بالمخاطر. في كفرشوبا، اضطر المسؤولون البلديون إلى المجازفة بأنفسهم لإعادة تشغيل مضخة مياه انقطعت عنها الكهرباء، إذ لا توجد بدائل متاحة. يقول رئيس المجلس البلدي قاسم قادري: "ليس لدينا خيار آخر، علينا أن نذهب إلى هناك".

وتعكس شهادات السكان حجم الخوف الذي لا يرتبط فقط بمنع رسمي، بل بغموض محيط بمكان الخطر. تقول إحدى السكنة: "لا نعرف متى يدخل الجيش الإسرائيلي بيوتنا. لا أمان". وأضافت رئيسة بلدية دير ميماس تانيا برنابا أن الوصول إلى بعض المناطق يتطلب سلوك طرق التفافية بعيدة بدلاً من الطرق المباشرة القريبة.

الآثار الاقتصادية لا تقتصر على تكاليف السكن الإضافي وفقدان المحاصيل، بل امتدت إلى إغلاق المحال والخدمات. في مرجعيون، اضطر صيدلاني لإغلاق صيدليته بسبب قربها من موقع عسكري إسرائيلي، محروماً السكان من خدمة حيوية في محيطهم المباشر.

في هذا الواقع المأساوي، فقدت المسافة معنى الأمتار، فأضحت قياساً لمدى البعد عن الحياة الطبيعية. حين يصبح البيت مصدر قلق بدلاً من أن يكون ملاذاً آمناً، والأرض التي ورثتها الأجيال تحول دون الوصول إليها، تمتد الخسارة إلى ما هو أعمق: الإحساس بالأمان والقدرة على التخطيط للمستقبل. وبين الارتباط بالجذور والخوف من المجهول، يبقى السؤال معلقاً: كيف يستعيد الإنسان حياته وهو يشعر أنه غريب عن موطنه؟