في حضرة العهد الجديد: لبنان لا يحتمل تكرار التاريخ
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، ومع بداية عهد جديد يحمل على كتفيه آمالًا مثقلة بجراح الماضي، تخرج هذه الكلمات لا كمجرد رأي سياسي، بل كصرخة وطنية صادقة، ونبض شعبي أنهكه التكرار، وأرهقته وعود لم تكتمل.
لبنان، منذ الاستقلال، لم يعرف حربًا طائفية إلا وكانت تُغلف بقضايا كبرى. فمن مشروع الناصرية إلى حلف بغداد، ومن مشروع أيزنهاور إلى البندقية الفلسطينية، كانت القضايا التحررية دومًا شرارة لصراع داخلي يأخذ طابعًا طائفيًا قبل أي شيء آخر.
في عام 1958، حين كان الصراع حول الانتماء القومي والاصطفاف العربي، انفجر الشارع اللبناني على إيقاع طائفي. وفي عام 1975، حين رفعت شعارات المقاومة والتحرير، انزلقت البلاد إلى أشرس حروبها الأهلية. لم تكن المشكلة في الشعارات، بل في استخدامها كغطاء لصراعات أعمق، زرعت الطائفية في قلب كل قضية وطنية.
ثم جاءت مرحلة "العرفاتية"، وحرب المخيمات، وحصار طرابلس، لتثبت أن القضية الفلسطينية نفسها لم تسلم من التطييف اللبناني. وتُوّج هذا المسار باغتيال رفيق الحريري، تمامًا كما اغتيل حلم ياسر عرفات من قبل، تحت تهمة واحدة: محاولة أخذ لبنان من ضفة إلى أخرى.
ليست المشكلة في الخارج فقط، ولا في الاستعمار وحده، بل في التكوين الداخلي الذي سمح للطائفية أن تتحول إلى عدسة نرى بها كل شيء، حتى مشاريع التحرر.
هذا الخطاب الذي يُحمّل الخارج كامل المسؤولية، ويتنصل من فشل الداخل، ليس بريئًا. بل هو بحد ذاته فعل طائفي، يبرر استمرار البنية المعطوبة، ويمنحها شرعية البقاء باسم "نظرية المؤامرة".
فخامة الرئيس،
دولة الرئيس،
أنتم اليوم أمام فرصة نادرة، ومسؤولية استثنائية. ليس المطلوب تغيير الشعارات، بل تغيير البنية التي حوّلت كل شعار إلى بداية نزاع. ليس المطلوب أن تحكموا كما حَكم غيركم، بل أن تكسروا الحلقة التي أعادت إنتاج نفس الأزمات في كل عهد.
لبنان لا يحتاج تحريرًا جديدًا، بل تحررًا من الخطاب الذي جعل من قضايا التحرر سلاحًا داخليًا. لا يحتاج إلى مواجهة مع الخارج بقدر ما يحتاج إلى مصالحة مع ذاته، مع دستوره، مع عقده الاجتماعي المسلوب.
التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه. بل يُخلّد من يكسرها.