ناصر عدرة… ابن طرابلس الذي لم يغادرها حين غادرها الجميع

ناصر عدرة… ابن طرابلس الذي لم يغادرها حين غادرها الجميع

في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، تعود الذاكرة إلى رجالٍ لم يكونوا مجرد أسماء في المشهد السياسي، بل كانوا أفعالاً على الأرض، وبصماتٍ لا تُمحى في حياة الناس. وبين هؤلاء، يبرز اسم ناصر عدرة… رجلٌ اختار أن يكون إلى جانب طرابلس، لا فوقها، ومع أهلها، لا عليهم.

حين عُلّق العمل السياسي لتيار المستقبل، ظنّ كثيرون أن الفراغ سيتمدّد، وأن المدينة ستُترك لمصيرها في زحمة التجاذبات والانقسامات. لكن طرابلس لم تكن وحدها. كان هناك من يعمل بصمت، بعيداً عن الأضواء، دون استعراض أو شعارات رنانة

ناصر عدرة لم يكن يوماً أسير موقع أو منصب. سواء من خلال دوره الإداري في المستشفى الحكومي، أو عبر حضوره السياسي في تيار المستقبل، بقي الرجل وفياً لنهجٍ تعلّمه من مدرسة رفيق الحريري: خدمة الناس أولاً، والإنسان قبل السياسة.

في مدينةٍ أنهكها الفقر والإهمال والتهميش، وقف عدرة مع الجميع — نعم، مع الجميع — دون أن يسألهم عن انتماءاتهم أو خطوطهم السياسية. لم يفرّق بين من يوافقه الرأي ومن يعارضه. لم يُقسّم طرابلس إلى مربعات سياسية، بل تعامل معها كجسدٍ واحد، إذا تألّم فيه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

رجال السياسة يُقاسون في لحظات الأزمات، لا في مواسم الانتخابات. وطرابلس تعرف جيداً من بقي معها حين اشتدت الظروف، ومن كان حاضراً في المستشفى، وفي الإدارات، وفي متابعة شؤون الناس، حين كانت الحاجة أكبر من الكلام.

قد لا يبحث ناصر عدرة عن الإعلام، وقد لا يتصدر الشاشات، لكن أثره موجود في تفاصيل يومية يعرفها أبناء المدينة. في معاملةٍ أُنجزت، في أزمةٍ حُلّت، في بابٍ فُتح لمن ظنّ أنه مُغلق.

في ذكرى استشهاد رفيق الحريري، لا يكفي أن نستذكر الرجل، بل أن نستذكر النهج. ونهج الحريري لم يكن خطابات، بل عملاً وتنمية واحتضاناً للناس. وهذا النهج، ما زال في طرابلس من يحمله ويؤمن به.

شكراً ناصر عدرة… لأنك لم تتخلَّ عن مدينتك حين تعبت.

شكراً لأنك كنت ابن طرابلس قبل أي صفة أخرى.

وشكراً لأنك أثبتَّ أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقاً، وخدمة، ووفاء.

طرابلس لا تنسى أبناءها الأوفياء. والتاريخ يُكتب بأفعال الرجال، لا بضجيج الكلمات.