دموع تحت الأنقاض… هكذا تقتل الدولة أطفال طرابلس بدمٍ بارد
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
لم تعد دموع الطفلة التي قالت “لا سيارة ولا بيت” مشهدًا إنسانيًا فقط، بل أصبحت وثيقة اتهام دامغة ضد دولة كاملة قرّرت أن تحكم على طرابلس بالموت البطيء.
هذه الطفلة لا تبكي لأنها خسرت جدارًا أو غرفة، بل لأنها وُلدت في مدينة قرّر حكّامها أن تكون مقبرة للفقراء، ومستودعًا للنسيان، وساحة مفتوحة للإهمال والفساد.
في طرابلس، لا يحتاج الإنسان إلى حرب كي يموت، يكفيه أن يسكن في بيت تركته الدولة ينهار، وأن يعيش في فقر صنعه السياسيون، وأن ينتظر دورَه تحت الركام.
في طرابلس، لا يحتاج الإنسان إلى حرب كي يموت، يكفيه أن يسكن في بيت تركته الدولة ينهار، وأن يعيش في فقر صنعه السياسيون، وأن ينتظر دورَه تحت الركام.
المباني التي تسقط ليست “قضاءً وقدرًا”، بل ملفات فساد مغلقة، وتقارير هندسية مُهملة، وميزانيات مسروقة، ومسؤولين جبناء هربوا من واجبهم.
هنا، لا توجد دولة.
توجد عصابة سياسية تتقاسم النفوذ، وتترك الناس يختنقون في بيوتهم.
منذ سنوات، تُحذَّر السلطات من خطر الأبنية المهددة، ومن الكارثة القادمة، لكن أحدًا لم يتحرّك، لأن دم الفقراء لا يساوي صوتًا انتخابيًا ولا صفقة مربحة.
وحين تقع الجريمة، يخرجون علينا بوجوه باردة، وبيانات مكرّرة، وكلمات فارغة: “نأسف”، “نتابع”، “سنحاسب”.
كذبة بعد كذبة… فوق جثث الناس.
أي وقاحة أكبر من أن يبكي المسؤول على الضحية، وهو من تركها تموت؟
هذه الطفلة اليوم تبكي، لأنها اكتشفت باكرًا أن هذا البلد لا يحمي أبناءه، بل يدفنهم أحياء، ثم يقيم لهم مهرجانات نفاق.
في مدينة وصلت فيها البطالة إلى مستويات كارثية، والتسرّب المدرسي إلى أرقام مخيفة، والفقر إلى حدود الإذلال، لا تزال السلطة تتصرّف وكأن طرابلس عبء يجب التخلص منه.
لم يسأل أحد: أين ذهبت الأموال؟
لم يُحاسَب أحد: من سمح بسكن هذه البيوت؟
لم يُعاقَب أحد: من تجاهل التحذيرات؟
لأن الحقيقة واضحة:
الجريمة جماعية، والصمت شراكة، والتقاعس مشاركة في القتل.
طرابلس لا تموت بسبب الفقر فقط، بل بسبب الخيانة السياسية.
خيانة النواب.
خيانة الحكومات.
خيانة البلديات.
خيانة كل من جلس على كرسي وترك الناس يسقطون.
هذه الطفلة ليست حالة فردية، بل وجه مدينة مكسورة، تصرخ بلا صوت، وتُدفن بلا عدالة.
وإلى أن يُحاسَب المجرمون الحقيقيون، سيبقى الأطفال يبكون، والبيوت تنهار، والسلطة تتفرّج.
في طرابلس، لم تعد المشكلة مباني…
المشكلة دولة قرّرت أن تقتل أبناءها ببطء.