ما الذي تخفيه طهران؟ جلسة سرّية ترسم مستقبل الحرب والسلام

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

ما الذي تخفيه طهران؟ جلسة سرّية ترسم مستقبل الحرب والسلام

ما جرى اليوم في طهران لم يكن حدثاً عادياً، ولا اجتماعاً بروتوكولياً عابراً، بل جلسة مغلقة في مجلس الشورى الإسلامي حضرها وزير الخارجية عباس عرقجي، ورئيس هيئة الأركان عبد الرحيم موسوي، في توقيت بالغ الحساسية، يعكس حجم القلق داخل مراكز القرار الإيرانية من المرحلة المقبلة.

هذه الجلسة ناقشت بوضوح مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي ومسار عسكري. بمعنى آخر، إيران ما زالت تفضّل طريق التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تضع يدها على الزناد، استعداداً لأي طارئ، خصوصاً في ظل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، والخشية من تكرار سيناريو التصعيد كما حصل خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً.

القيادة الإيرانية ترى أن جولة مسقط الأخيرة أفرزت مؤشرات إيجابية أولية، لكنها لا تخفي انعدام الثقة العميق مع واشنطن. هذا الأمر أُعلن صراحة من الجانب الإيراني. ومع ذلك، هناك تفاؤل نسبي بإمكانية بناء إطار تفاهم مبدئي، يسمح بالانتقال لاحقاً إلى مفاوضات تفصيلية حول ما ستقدمه كل جهة، وما ستحصل عليه بالمقابل.

في هذا السياق، جاء تصريح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي ليشكّل رسالة سياسية مدروسة، حين أكد أن إيران لم تسلّم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، لكنها مستعدة لتخفيض هذه النسبة. هذا الطرح لا يعني تراجعاً، بل محاولة لفتح نافذة تفاوضية تحفظ لإيران حق التخصيب السلمي، وتسمح بتجميد التصعيد لسنوات طويلة إذا ما تم التوصل إلى تفاهم متوازن.

في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعبته التقليدية القائمة على الجمع بين التفاوض والتهديد. فهو يعلن استعداده للحوار، لكنه في الوقت نفسه يحذّر من “خيار أسوأ” في حال فشل الاتفاق، في إشارة واضحة إلى الخيار العسكري. واشنطن لا تخفي شروطها: تحديد نسبة التخصيب، ضبط الصواريخ البالستية، تقليص النفوذ الإقليمي، وقطع العلاقة مع الحلفاء الإقليميين.

هذه المطالب تلتقي إلى حدّ كبير مع رؤية نتنياهو، الذي يخشى من صفقة جزئية مع إيران تشبه التفاهم الأميركي مع الحوثيين، تسمح لطهران بالاحتفاظ بجزء من قوتها مقابل تهدئة مؤقتة. لكن الفارق كبير بين التعامل مع جماعة مسلحة، والتعامل مع دولة بحجم إيران تمتلك بنية عسكرية واقتصادية وسياسية معقّدة.

الصورة التي ظهرت أخيراً لجاريد كوشنر وستيف ويتكوف على متن حاملة الطائرات الأميركية، برفقة قائد القيادة المركزية الأميركية، لم تكن صورة سياحية أو إعلامية، بل رسالة استراتيجية مزدوجة: تفاوض من جهة، واستعراض قوة من جهة أخرى. إنها ترجمة عملية لسياسة “العصا والجزرة” التي تعتمدها واشنطن في هذا الملف.

حتى الآن، لم تخسر إيران جولة تفاوضية كبرى، لكنها أيضاً لم تربح حرباً مباشرة. وهذا ما يجعلها تتعامل بحذر شديد مع التصريحات الأميركية، التي يفسّرها البعض في طهران كتراجع، ويرى فيها آخرون فخاً تكتيكياً. داخل الإدارة الأميركية نفسها، يبدو الانقسام واضحاً بين تيار يفضّل الحل الدبلوماسي، وتيار آخر يرى أن الضغط العسكري هو الطريق الأسرع.

المشكلة الأساسية أن هذا الصراع لا يُدار فقط بين دولتين، بل فوق رؤوس شعوب المنطقة كلها. أي فشل في المفاوضات، وأي سوء تقدير، قد يحوّل الشرق الأوسط مجدداً إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يكون لبنان وسوريا والعراق أول ضحاياها.

الواقع أن هذه المفاوضات مرشحة للاستمرار طويلاً، إلى أن يصل أحد الطرفين إلى قناعة بأن المسار الدبلوماسي استُنفد بالكامل. عندها فقط، قد ينتقل الصراع إلى مرحلة مختلفة، أكثر خطورة، وأقل قابلية للضبط.

حتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة معلّقة بين تهديدات معلنة، وتفاهمات غير مكتملة، ورسائل نار تحت طاولة التفاوض. إيران تفاوض وهي مستعدة للأسوأ، وواشنطن تفاوض وهي تلوّح بالقوة، والعالم يراقب سباقاً مفتوحاً بين الاتفاق والانفجار.