زلزال السلطة: وثائق تكشف أن فساد النخبة أخطر من أي إرهاب"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

زلزال السلطة: وثائق تكشف أن فساد النخبة أخطر من أي إرهاب"

لم تعد القضية مجرد وثائق أُفرج عنها، ولا مجرد أسماء ظهرت في أرشيف قضائي ثقيل، بل أصبحت لحظة فاصلة في علاقة المجتمعات الحديثة بمنظومات السلطة والنفوذ. ما كشفته الملفات المرتبطة بقضية جيفري إبستين لا يتمثل فقط في شبكة علاقات أو صور أو مراسلات، بل في سؤال وجودي يواجه العالم السياسي والاقتصادي: كيف تتشكل دوائر النفوذ؟ ومن يراقبها؟ ومن يضمن أن لا تتحول إلى فضاءات مغلقة فوق المساءلة؟

عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية الإفراج عن ملايين الصفحات، لم يكن الحدث إداريًا، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمناعة النخبة العالمية أمام الشفافية. لم تصدر إدانات جديدة، ولم تُفتح محاكمات دراماتيكية، ومع ذلك اهتزت مواقع، وتراجعت شخصيات، وبدأت حسابات دقيقة تُجرى داخل غرف مغلقة. هنا يكمن جوهر الزلزال: ليس في الإدانة القانونية، بل في اهتزاز الثقة.

السلطة في عصرنا لم تعد تستمد شرعيتها من المنصب وحده، بل من الصورة الأخلاقية الملازمة له. والوثائق، حتى حين لا تُدين، تكشف هشاشة تلك الصورة. فالعلاقات التي كانت تُدار في نطاق خاص، بعيدًا عن الضوء، أصبحت فجأة موضوعًا عامًا، يخضع لتحليل جماعي قاسٍ. إننا أمام تحوّل عميق: لم يعد السؤال “هل أُدين قانونيًا؟”، بل “كيف يبدو الأمر أمام الرأي العام؟”.

الأخطر من الأسماء هو البنية. البنية التي تسمح بتقاطع المال بالسياسة بالدبلوماسية في مساحات رمادية يصعب تفكيكها. البنية التي تجعل الوصول إلى دوائر القرار امتيازًا مغلقًا. البنية التي تعتمد على الثقة المتبادلة داخل النخبة أكثر مما تعتمد على الرقابة الخارجية. حين تُفتح نافذة صغيرة على تلك المساحات، لا ينكشف شخص واحد، بل ينكشف نمط.

لا يتعلق الأمر بتعميم الاتهام، ولا بإدانة دون دليل، بل بإدراك أن الشفافية أصبحت قوة سياسية مستقلة. في عالم رقمي لا ينسى، تتحول الأرشيفات إلى قنابل مؤجلة. كل وثيقة قد تكون عادية في سياقها، لكنها تكتسب دلالتها حين توضع ضمن شبكة أوسع من العلاقات. وهنا يبدأ القلق الحقيقي داخل الطبقات العليا: ليس الخوف من المحكمة فقط، بل من السردية.

الوثائق لا تسقط أنظمة بين ليلة وضحاها، لكنها تُعيد تشكيل الوعي العام. الوعي حين يتغير، يعيد تعريف ما هو مقبول، وما هو مرفوض، وما هو مشروع سياسيًا. وإذا استمر تدفق المعلومات، فإننا قد نشهد مرحلة يصبح فيها معيار البقاء في المنصب أكثر صرامة من أي وقت مضى. ليس لأن القانون تغير، بل لأن المجتمع تغيّر.

ما يحدث اليوم هو صراع صامت بين زمنين: زمن كانت فيه العلاقات الخاصة تُحاط بالسرية الكاملة، وزمن أصبحت فيه السرية نفسها موضع شبهة. في هذا التحول، قد لا يكون الجميع مذنبين، لكن الجميع معرضون للفحص. وهذا وحده كافٍ لإحداث ارتباك داخل منظومات اعتادت العمل بعيدًا عن المساءلة المباشرة.

الزلزال الحقيقي لا يقاس بعدد الاستقالات، بل بعمق الشرخ في الثقة. حين يبدأ المواطن في طرح أسئلة حول طبيعة الروابط داخل القمة، وحول الحدود بين الخاص والعام، وحول قدرة المؤسسات على مراقبة نفسها، فإننا أمام لحظة تاريخية لا تتكرر كثيرًا. إنها لحظة اختبار: هل تملك المنظومات الشجاعة لتجديد نفسها، أم تكتفي بإدارة الأزمة حتى تمر العاصفة؟

ربما لن تسقط الوثائق عالمًا قائمًا، لكنها بالتأكيد أعادت رسم خطوطه الأخلاقية. وفي عالم السياسة، إعادة رسم الخطوط أخطر من أي فضيحة عابرة، لأنها تعيد تعريف قواعد اللعبة ذاتها. هنا يبدأ الزلزال الحقيقي؛ زلزال لا يهدم المباني، بل يهز الأسس التي بُنيت عليها الثقة.