سعد وأحمد الحريري… الاسم الذي لا يريد البعض أن يعود

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

سعد وأحمد الحريري… الاسم الذي لا يريد البعض أن يعود

في السياسة اللبنانية، لا تبدأ الحملات من فراغ.

وعندما تُصنّع رواية كاملة حول “اتفاق سري” لا وجود له، فذلك يعني أن هناك من يشعر بالقلق… لا من اللقاء، بل من الاحتمال.

التسريبات التي تحدثت عن تفاهم مزعوم بين أحمد الحريري وحزب الله لم تكن مجرد خبر إعلامي.

كانت اختباراً سياسياً:

اختبار لمدى قدرة الشائعة على إحداث شرخ داخل بيئة سنية حساسة.

واختبار لمدى قابلية الرأي العام لتصديق انقلاب استراتيجي بلا مقدمات.

لكن المشكلة في هذه الرواية أنها تفترض أن تيار المستقبل بلا ذاكرة.

تيار بُني على مشروع الدولة لا يمكن أن يتحول إلى طرف في مقايضة سيادية ظرفية.

وخط سياسي دفع مؤسسه حياته ثمناً لموقع لبنان العربي، لا يمكن أن ينقلب على هذا الموقع في لحظة انتخابية عابرة.

الحديث عن تحالف انتخابي مع حزب الله يتجاهل حقيقة أساسية:

الاختلاف بين المشروعين ليس تفصيلاً تكتيكياً، بل اختلاف في الرؤية للدولة نفسها.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:

إذا لم يكن الهدف توصيف واقع، فما الهدف إذاً؟

التيار الذي ظنّ كثيرون أنه انكفأ، بدأ يعيد تنظيم صفوفه.

الشارع الذي قيل إنه تشتت، لم يجد بديلاً يملأ الفراغ.

والعلاقة التي راهن البعض على فتورها مع المملكة العربية السعودية، بقيت ثابتة في وجدان البيئة التي يمثلها التيار.

عندما تفشل محاولات الإحلال السياسي، يبدأ التشكيك.

إن تصوير أحمد الحريري كمن يسعى إلى صفقة سرية ليس سوى محاولة لإرباك جمهوره، وإثارة الريبة بينه وبين حلفائه الإقليميين، ودفعه إلى موقع الدفاع بدل الهجوم.

لكن السياسة لا تُدار بهذه السذاجة.

أي قراءة واقعية للمشهد تقول إن:

تيار المستقبل لا يحتاج إلى

 غطاء انتخابي من خصومة

المزاج السني في لبنان لم يبدّل بوصلته العربية.

أي تحالف يناقض هذا المزاج

 سيكون انتحاراً سياسياً لا

 يجرؤ عليه عاقل.

ثم إن منطق الأمور أبسط من كل السرديات المعقدة:

لا يوجد مكسب انتخابي يوازي خسارة الثقة الشعبية.

ولا توجد صفقة تستحق التضحية بالهوية السياسية.

في العمق، ليست المشكلة في “لقاء” حصل أو لم يحصل.

الحوار بين اللبنانيين ليس جريمة، بل ضرورة وطنية.

لكن تحويل الحوار إلى تهمة، أو استخدامه كأداة لتخوين مسبق، يكشف خوفاً من عودة لاعب أساسي إلى المشهد.

وهنا بيت القصيد.

المعركة ليست حول خبر.

المعركة حول التوازن.

لبنان، منذ سنوات، يعيش اختلالاً في ميزان القوى داخل بيئته السنية.

غياب سعد الحريري أحدث فراغاً لم يُملأ.

ومجرد احتمال عودته السياسية — أو إعادة ترتيب بيته الداخلي — يعيد حسابات كثيرة إلى نقطة الصفر.

لذلك يصبح استهداف أحمد الحريري مدخلاً لضرب المسار قبل أن يتبلور.

لكن التجارب اللبنانية أثبتت أن الشائعات لا تصنع وقائع.

والزعامات لا تسقط بالتسريبات، بل بفقدان ثقة جمهورها.

حتى اللحظة، لا شيء يشير إلى أن هذه الثقة تزعزعت.

على العكس، قد يكون الضجيج الحالي مؤشراً إلى أن القلق الحقيقي ليس داخل التيار… بل خارجه.

في النهاية،

السياسة لعبة مصالح، نعم.

لكنها أيضاً لعبة ثوابت.

ومن يعتقد أن مدرسة رفيق الحريري يمكن أن تُستدرج إلى صفقة تناقض بنيتها الفكرية، لم يفهم بعد طبيعة الصراع في لبنان.

والأيام المقبلة وحدها ستكشف:

هل كانت هذه الحملة مجرد خبر عابر…

أم محاولة استباقية لمنع عودة معادلة سياسية لا يريدها البعض أن تعود؟