القوات والكتائب وجنبلاط: صمتكم شراكة… فهل تختارون الدولة أم النفوذ

بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز

القوات والكتائب وجنبلاط: صمتكم شراكة… فهل تختارون الدولة أم النفوذ

في لحظةٍ يُفترض أن تكون فاصلة في تاريخ لبنان، لم يعد ممكناً الاختباء خلف اللغة الرمادية أو المواقف الملتبسة. خطاب جوزيف عون لم يكن مجرد إعلان لوقف إطلاق النار، بل كان محاولة واضحة لإعادة تعريف معنى الدولة ومعنى القرار الوطني. غير أن الصدمة الحقيقية لا تكمن في ما قيل، بل في ما لم يُقال من قبل القوى التي بنت خطابها على السيادة، وفي مقدّمها القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية ووليد جنبلاط. فهذه القوى التي لطالما قدّمت نفسها كحاملة لواء الدولة، تقف اليوم أمام اختبار حقيقي لا يحتمل المناورة، حيث يصبح الصمت موقفاً بحد ذاته، بل شراكة ضمنية في استمرار الواقع القائم.

لم يعد السؤال إن كانت هذه القوى تؤمن بالدولة، بل إن كانت مستعدة لدفع كلفة هذا الإيمان. فلبنان لم يسقط فقط تحت وطأة السلاح الخارج عن مؤسساته، بل أيضاً تحت ثقل طبقة سياسية أتقنت التكيّف مع هذا الواقع، واستثمرت فيه تارة، وخشيت تغييره تارة أخرى. هنا تتكشّف المفارقة الكبرى: كلما اقتربت لحظة استعادة القرار، تراجعت الجرأة، وكلما ارتفع سقف الخطاب، انخفض مستوى الفعل. وفي قلب هذا التناقض، يبرز اسم حزب الله كعامل حاضر دائماً في الحسابات، سواء قيل ذلك صراحة أو جرى تجاهله عمداً، إذ يبدو أن الخشية من الاصطدام به لا تزال أقوى من أي اندفاعة نحو مشروع الدولة.

ما يجري اليوم ليس خلافاً سياسياً عادياً، بل صراع على تعريف لبنان نفسه: هل هو دولة سيدة بقرارها، أم ساحة مفتوحة لتوازنات الداخل والخارج؟ إن الاستمرار في التردد يعني عملياً القبول الضمني ببقاء هذا التوازن الهش، فيما يتطلب الانحياز إلى مشروع الدولة وضوحاً لا لبس فيه، وقراراً يخرج من دائرة الحسابات الضيقة إلى مستوى المسؤولية التاريخية. فالمسألة لم تعد تحتمل توزيع أدوار بين خطاب سيادي في العلن وممارسة براغماتية في الكواليس، لأن هذه الازدواجية هي التي أوصلت البلد إلى حافة الانهيار.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس وجود قوة تفرض واقعاً معيناً، بل وجود قوى أخرى تعرف الحقيقة وتفضّل التعايش معها بدل مواجهتها. الصمت هنا لا يمكن تفسيره كحكمة سياسية، بل كجزء من منظومة تعيد إنتاج نفسها عبر الخوف والمصالح المتبادلة. وعليه، فإن أي حديث عن السيادة يفقد معناه إذا لم يُترجم إلى موقف واضح في لحظة كهذه، حيث تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويُرسم شكل الدولة التي ستبقى أو التي ستضيع.

في النهاية، لا يملك أحد ترف الانتظار. فإما أن تختار هذه القوى الوقوف إلى جانب مشروع استعادة الدولة بكل ما يحمله من تحديات، وإما أن تبقى أسيرة حسابات النفوذ التي لم تنتج سوى مزيد من الانهيار. وما بين الخيارين، لن يكون هناك مكان للمناورة، لأن التاريخ لا يرحم المترددين، ولأن الشعوب لا تنسى من وقف معها… ومن اختار الصمت.