زمن الأوّل تحوّل... والرياح الإقليمية لم تعد تهبّ كما تشتهي سفن الأمس
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في تاريخ الأمم، لا تسقط المراحل السياسية حين تُهزم عسكرياً أو تُستنزف اقتصادياً فحسب، بل حين تفقد قدرتها على تفسير الواقع الجديد. وعندما تصبح الأدوات التي صنعت النفوذ في الأمس عاجزة عن إنتاج النتائج نفسها في الحاضر، تبدأ مرحلة التحول الحقيقي، حتى وإن لم يعترف بذلك أصحابها بعد.
لبنان يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات النادرة.
فالمنطقة التي عرفناها خلال العقود الماضية لم تعد هي نفسها. الخرائط السياسية لا تتغير بالضرورة على الورق، لكنها تتغير في موازين القوى، وفي الأولويات الدولية، وفي طبيعة المصالح التي تحكم العواصم المؤثرة. وما كان ممكناً بالأمس لم يعد بالضرورة ممكناً اليوم، وما كان يُعدّ ورقة قوة قد يتحول فجأة إلى عبء ثقيل على حامله.
من هنا، تبدو النقاشات اللبنانية التقليدية وكأنها تدور أحياناً خارج الزمن. فبينما يتحدث العالم بلغة الاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء الدول، وضبط الصراعات المفتوحة، لا يزال جزء من المشهد السياسي اللبناني أسير معادلات وُلدت في ظروف إقليمية مختلفة تماماً عن الظروف الحالية.
المسألة لا تتعلق بانتصار طرف على آخر، ولا بهزيمة فريق أمام خصومه. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بانتقال المنطقة نفسها من حقبة إلى حقبة أخرى، ومن منطق سياسي إلى منطق مختلف في إدارة النفوذ والمصالح.
خلال سنوات طويلة، كان لبنان يُقرأ في الخارج بوصفه جزءاً من شبكة توازنات إقليمية معقدة. أما اليوم، فثمة مؤشرات متزايدة على أن المجتمع الدولي والإقليمي بات أكثر ميلاً إلى التعامل مع لبنان من زاوية استقراره الداخلي ومؤسساته الرسمية، لا من زاوية موقعه داخل الاشتباكات الإقليمية الكبرى.
وهذا التحول ليس تفصيلاً عابراً.
لأن القوى السياسية التي تنجح في البقاء ليست تلك التي تتمسك بالماضي، بل تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لفهم المستقبل قبل الآخرين. أما القوى التي ترفض الاعتراف بتبدل البيئة المحيطة بها، فإنها غالباً ما تكتشف متأخرة أن الزمن سبقها بمسافات طويلة.
في هذا السياق، يواجه جميع الفاعلين اللبنانيين، من دون استثناء، سؤالاً مصيرياً: هل الأولوية لحماية التوازنات القديمة أم لبناء موقع جديد للبنان في شرق أوسط يتشكل من جديد؟
إن الرهان على أن الزمن سيتوقف عند معادلات الأمس ليس استراتيجية. والتعويل على استعادة ظروف إقليمية انتهت ليس رؤية سياسية. فالتاريخ لا يتحرك إلى الخلف، واللحظات الكبرى لا تنتظر المترددين.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى انتصارات خطابية بقدر ما يحتاج إلى قراءة دقيقة للواقع. يحتاج إلى دولة قادرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية تتجاوز الانقسامات التقليدية. يحتاج إلى الانتقال من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع المستفيد منها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في الدفاع عن الماضي أو مهاجمته، بل في فهم أن صفحة جديدة تُكتب في المنطقة. ومن لا يقرأ السطور الأولى جيداً، قد يجد نفسه خارج النص كله.
لقد تحوّل الزمن بالفعل. أما السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، فهو: من يملك القدرة على التحول معه؟ ومن سيبقى متمسكاً بسفن الأمس فيما الرياح تهبّ من اتجاه آخر؟.