نبيه بري أمام لحظة الحقيقة: إما لبنان أولاً... أو إرث سياسي تحت أنقاض الدولة
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في السياسة، هناك رجال يصنعون الأحداث، وهناك رجال تصنعهم الأحداث. لكن قلة قليلة فقط تواجه في خريف العمر السياسي لحظة تختصر عقوداً كاملة من النفوذ والقرارات والتحالفات. اليوم، يقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي قد تحدد كيف سيذكره التاريخ أكثر مما تحدده كل السنوات التي سبقتها.
ففي عمر الثانية والتسعين، وبعد أكثر من ثلاثة عقود في صدارة المشهد السياسي اللبناني، لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا حقق نبيه بري في الماضي؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل من أجل لبنان في هذه اللحظة المصيرية؟
تأتي هذه اللحظة فيما تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لاحتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية، وبعدما كشفت المبادرات الدبلوماسية الأخيرة حجم التعقيدات التي يعيشها لبنان بين متطلبات الدولة وحسابات القوى المسلحة والمحاور الإقليمية. وبينما يبحث اللبنانيون عن مخرج من أزماتهم المتراكمة، يبدو أن البلاد تجد نفسها مرة أخرى على خط تماس صراعات تتجاوز حدودها ومصالح شعبها.
لقد دفع لبنان خلال العقود الماضية أثماناً باهظة نتيجة ارتباطه المستمر بصراعات المنطقة. اقتصاد منهك، مؤسسات ضعيفة، استثمارات هاربة، هجرة واسعة للكفاءات والشباب، وانقسام داخلي مزمن أضعف قدرة الدولة على النهوض واستعادة ثقة مواطنيها والعالم بها.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز قضية جوهرية لا يمكن تجاوزها: هل يمكن للبنان أن يستعيد عافيته وسيادته الكاملة في ظل استمرار تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري؟ وهل يمكن بناء دولة قوية بينما تبقى قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم خارج الإطار الحصري للمؤسسات الدستورية؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية أو أكاديمية. إنها تمس حياة اللبنانيين اليومية ومستقبل أجيال كاملة تبحث عن الاستقرار والفرص والأمل. فالدول لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق نبيه بري اليوم تختلف عن أي مسؤولية واجهها سابقاً. فهو ليس مجرد رئيس للبرلمان أو زعيم سياسي مخضرم، بل أحد آخر الرموز الكبار الذين عايشوا معظم التحولات الكبرى التي شهدها لبنان منذ الحرب الأهلية وحتى اليوم.
ولهذا السبب، فإن كثيرين يرون أن الفرصة لا تزال قائمة أمامه للعب دور مختلف؛ دور رجل الدولة الذي يساهم في ترسيخ منطق المؤسسات فوق منطق المحاور، ومنطق الدولة فوق منطق الاصطفافات الإقليمية.
لا يتعلق الأمر بالدخول في مواجهة مع أي طرف داخلي أو خارجي، ولا بإعلان العداء لأي دولة، بما فيها إيران. فالعلاقات الدولية تبقى جزءاً طبيعياً من سياسات الدول. لكن الفرق كبير بين علاقات تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية وعلاقات تجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
لقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة أن الأوطان لا تُبنى بالرهانات الخارجية مهما كانت مصادرها، بل ببناء مؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، وجيش يحتكر وحده السلاح الشرعي، وقرار وطني مستقل لا يخضع لتقلبات الصراعات الإقليمية.
إن اللبنانيين اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة ويضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار آخر. وهذا يتطلب شجاعة سياسية من نوع مختلف؛ شجاعة المراجعة والتصحيح، لا شجاعة التمسك بالمواقف نفسها مهما تغيرت الظروف.
قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمام الطبقة السياسية التقليدية لإثبات قدرتها على مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة. وقد يكون أمام نبيه بري تحديداً خيار تاريخي نادر: أن يكون جزءاً من الانتقال نحو دولة أكثر قوة واستقلالاً، أو أن يبقى مرتبطاً بمرحلة يعتقد كثير من اللبنانيين أنها استنفدت قدرتها على إنتاج الحلول.
في نهاية المطاف، لن يتذكر التاريخ عدد الخطب التي ألقيت ولا عدد التسويات التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة. ما سيتذكره هو من وقف مع فكرة الدولة عندما كانت بحاجة إلى من يدافع عنها.
وفي عمر الثانية والتسعين، قد لا تكون المعركة الأهم أمام نبيه بري معركة سياسية جديدة، بل معركة الإرث السياسي نفسه: هل يُذكر كرجل ساهم في إعادة لبنان إلى منطق الدولة والسيادة الوطنية، أم كأحد حراس مرحلة طويلة عجزت عن إنقاذ البلاد من أزماتها المتلاحقة؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ، لكن الإجابة تبدأ من القرارات التي تُتخذ اليوم.