لبنان يُباع على طاولة الكبار... والعرب خارج المزاد!"
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في السياسة، ليست كل الانتصارات انتصارات، وليست كل الهزائم هزائم. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر التحولات لا تحدث تحت هدير الطائرات أو دوي المدافع، بل على طاولات التفاوض حيث تُرسم الخرائط الجديدة وتُعاد صياغة موازين القوى وتُكتب قواعد المرحلة المقبلة.
من هنا، يبدو من الخطأ اختزال ما جرى خلال الساعات الماضية بعنوان «وقف إطلاق النار» أو «منع استهداف الضاحية الجنوبية». فهذه ليست سوى العناوين الظاهرة لمشهد أكثر تعقيداً وأبعد أثراً.
ما يجري في الواقع هو صراع على شكل لبنان المقبل.
فبينما انشغل اللبنانيون بمتابعة التهديدات الإسرائيلية والتدخل الأميركي والاتصالات الدولية المكثفة، كانت هناك حقيقة أخرى تتشكل بهدوء خلف الكواليس: مستقبل لبنان بات جزءاً من مفاوضات إقليمية ودولية أكبر من حدوده الجغرافية وأكبر من ساحته الداخلية.
الوقائع المتداولة تكشف أن واشنطن، رغم دعمها التقليدي لإسرائيل، وجدت نفسها مضطرة إلى التدخل المباشر لمنع انفجار واسع لا يهدد لبنان وحده، بل يهدد مساراً تفاوضياً كاملاً يمتد من لبنان إلى إيران مروراً بأمن المنطقة ومصالح القوى الكبرى.
وفي المقابل، نجحت طهران في إثبات حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: لا يمكن تجاوز نفوذها عند البحث في أي ترتيبات تتعلق بالحرب أو بما بعدها. كما نجح «حزب الله»، عبر القنوات التي أدارها الرئيس نبيه بري، في تثبيت نفسه جزءاً من المعادلة التي اضطرت واشنطن إلى التعامل معها بحكم الأمر الواقع، سواء أعجب ذلك خصومه أم لا.
الخطر الحقيقي أن العرب كانوا الغائب الأكبر عن غرفة القرار.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدت الملفات المتعلقة بمستقبل لبنان تُناقش بين واشنطن وطهران وتل أبيب وقنوات التفاوض المباشرة وغير المباشرة، فيما تراجع الحضور العربي إلى موقع المراقب لا الشريك.
وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية الخطيرة.
فعندما يغيب العرب عن صناعة التسوية، لا يعود السؤال من سيربح أو يخسر هذه الجولة، بل يصبح السؤال: من سيدافع عن المصالح العربية واللبنانية عندما تبدأ مرحلة توزيع المكاسب ورسم التفاهمات؟
التاريخ لا يرحم الفراغ.
وعندما ينسحب لاعب من الطاولة، لا تبقى مقاعده فارغة، بل يجلس عليها لاعبون آخرون.
ولهذا فإن أخطر ما تكشفه الأحداث الحالية ليس احتمال توسع الحرب، بل احتمال أن يتحول لبنان إلى موضوع تفاوض بين الآخرين بدلاً من أن يكون شريكاً كاملاً في تقرير مستقبله.
فالمعركة التي بدأت بالصواريخ والطائرات لم تعد تدور حول وقف النار فقط. إنها تدور حول الحدود، والسيادة، ودور الدولة، ومستقبل السلاح، وطبيعة التوازنات التي ستحكم لبنان في السنوات المقبلة.
لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يقلق اللبنانيين اليوم ليس متى تتوقف الحرب.
السؤال الحقيقي هو: ماذا يُطبخ للبنان خلف الأبواب المغلقة؟
وهل يتحول وقف إطلاق النار إلى بداية استقرار دائم، أم إلى بوابة لتسوية كبرى يُعاد عبرها رسم المشهد اللبناني والإقليمي وفق موازين القوى الجديدة؟
إن الخطر الحقيقي ليس في الحرب وحدها.
الخطر أن يستيقظ اللبنانيون بعد انتهاء الحرب ليكتشفوا أن مستقبل بلدهم قد رُسم على طاولات الآخرين، بينما كانوا منشغلين بمتابعة أخبار الجبهات.