قبل فتح الأبواب لحزب الله... افتحوها لمن وقف مع سوريا
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تُقاس عظمة القيادات بعدد الأبواب التي تفتحها، بل بقدرتها على معرفة أي الأبواب تستحق أن تُفتح أولًا. واليوم، تقف القيادة السورية الجديدة، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، أمام واحد من أكثر القرارات حساسية منذ سقوط النظام السابق: كيف تُبنى العلاقات الجديدة، وعلى أي أساس؟
إذا كان الحوار مع جميع الأطراف خيارًا تفرضه اعتبارات الدولة، فإن ترتيب الأولويات هو ما يصنع الفارق بين سياسة تحفظ الذاكرة وسياسة تتجاوزها.
قبل أي انفتاح على حزب الله، هناك صفحة لم تُكتب بعد، ووفاء لم يُستكمل، ورسالة لم تصل إلى أولئك الذين وقفوا مع الشعب السوري في أحلك أيام محنته. ففي لبنان، لم يكن الجميع خصومًا للثورة السورية، بل كانت هناك شخصيات وقوى سياسية وإعلامية ومجتمعية اختارت أن تقف إلى جانب السوريين، رغم ما ترتب على ذلك من ضغوط وتهديدات واستهداف سياسي. ومن بين تلك الشخصيات اللواء أشرف ريفي، إلى جانب شخصيات وقوى أخرى أعلنت بوضوح دعمها لتطلعات السوريين نحو الحرية والكرامة.
إن بناء الثقة مع هؤلاء ليس مجاملة سياسية، بل هو وفاء لمواقف لن ينساها التاريخ، ورسالة بأن سوريا الجديدة تحفظ الجميل، ولا تساوي بين من ساندها ومن كان على الطرف الآخر من الصراع.
في المقابل، يبقى أي حديث عن حوار مع حزب الله قضية شديدة الحساسية لدى قطاع واسع من السوريين. فكثيرون ما زالوا يربطون دور الحزب بسنوات الحرب وما خلفته من خسائر إنسانية ودمار ونزوح، وهي جراح لم تلتئم بعد في وجدان آلاف العائلات السورية. ولهذا، فإن أي انفتاح سياسي يحتاج إلى أن يراعي هذا الإرث الثقيل، وأن يُفهم في إطار مصلحة الدولة، لا باعتباره تجاهلًا لذاكرة الضحايا أو القفز فوق معاناتهم.
إن سوريا الجديدة لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل أيضًا بالأخلاق السياسية. والدولة التي تطمح إلى استعادة مكانتها تبدأ أولًا بحفظ الوفاء لمن وقف معها، وبترسيخ الثقة مع حلفائها الطبيعيين، قبل أن تمد يدها إلى من لا تزال العلاقة معه موضع انقسام واسع في الوعي السوري.
إن الرئيس أحمد الشرع أمام فرصة لصناعة تقليد سياسي جديد، قوامه أن الوفاء جزء من صناعة القرار، وأن الذاكرة الوطنية ليست عبئًا على الدولة، بل إحدى ركائز شرعيتها. فالشعوب لا تطلب من قادتها أن يعيشوا أسرى الماضي، لكنها تنتظر منهم ألا يعبروا إلى المستقبل من فوق تضحيات أبنائها.
لهذا، فإن الرسالة التي ينتظرها السوريون اليوم ليست صورة مصافحة جديدة، بل موقفًا يؤكد أن سوريا تعرف من وقف معها، وتعرف أيضًا أن بناء المستقبل لا يكون بنسيان الماضي، وإنما بفهمه واحترامه.
قبل فتح الأبواب لحزب الله... افتحوها لمن وقف مع سوريا. فالأوفياء هم الجسر الحقيقي إلى المستقبل، والوفاء هو أول امتحان لأي دولة تريد أن تكتب فصلًا جديدًا من تاريخها.