باب المندب: لا تنتظروا حتى يصبح الخطر واقعًا
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
المشكلة لم تعد في قدرة الحوثيين على إطلاق النار من اليمن؛ المشكلة في احتمال امتلاكهم موطئ قدم عند واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، بينما تبدو السياسة الدولية مترددة في منع هذا التحول.
هذه ليست مجرد واقعة عسكرية أخرى في حرب اليمن. إذا صحت التقارير عن وصول الحوثيين إلى ذو باب وجزيرة ميون، فنحن أمام تطور يجب أن يُقرأ بعين مختلفة: الجغرافيا بدأت تتحول إلى أداة قوة.
باب المندب ليس تفصيلًا على خريطة اليمن. إنه بوابة بحرية تربط طرق التجارة العالمية، وأي قوة مسلحة تتمكن من التموضع قربه لا تحتاج إلى إغلاق المضيق حتى تفرض نفسها على حسابات الدول والأسواق وشركات الملاحة. يكفي أن يصبح التهديد ممكنًا حتى يبدأ العالم في دفع ثمنه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
وهنا تحديدًا يجب أن تتوقف واشنطن.
إذا كانت الولايات المتحدة تعتبر حرية الملاحة مصلحة دولية، فالسؤال ليس لماذا تتحرك عندما يُغلق الممر، بل: لماذا تنتظر حتى يصبح إغلاقه أو تهديده أكثر قابلية للتحقق؟
وإذا صح ما نُسب إلى إدارة ترامب من رفض طلب سعودي لاستهداف الحوثيين، فإن الأمر يستحق أكثر من خبر عابر. إنه يكشف اختلافًا محتملًا في تقدير الخطر: الرياض ترى الخطر من داخل جغرافية المنطقة، بينما قد تنظر واشنطن إليه من حسابات أوسع وأبعد. لكن التاريخ الاستراتيجي يقول إن المسافة بين العاصمتين لا تلغي أثر الصاروخ عندما يصل إلى البحر الأحمر.
يا واشنطن، لا تنتظري لحظة يصبح فيها الرد أكثر كلفة من المنع.
ويا دول أوروبا، لا تنظروا إلى البحر الأحمر باعتباره مشكلة تقع على الضفة الأخرى من العالم. التجارة التي تمر عبر هذه الممرات تصل إلى أسواقكم واقتصاداتكم، وأمن الملاحة الذي يُهدد هناك لا يبقى هناك.
ويا دول العرب، هذه ليست لحظة بيانات جديدة.
تحركوا.
تحركوا لأن ترك المواقع الاستراتيجية تتحول تدريجيًا إلى أوراق بيد جماعات مسلحة يعني أنكم ستستيقظون يومًا أمام واقع صنعه غيركم، ثم تبحثون عن كلفة تغييره.
لكن التحرك لا يعني حربًا مفتوحة.
المطلوب استراتيجية تجمع بين الردع والدبلوماسية: دعم الدولة اليمنية، منع تدفق السلاح والقدرات النوعية إلى الجماعات المسلحة، حماية الملاحة الدولية، وفرض كلفة سياسية واقتصادية وأمنية واضحة على أي محاولة لتحويل الساحل اليمني إلى منصة تهديد.
وفي المقابل، يجب أن يبقى باب التسوية مفتوحًا أمام الحوثيين إذا اختاروا الانتقال من منطق القوة إلى منطق الدولة.
فالرسالة ليست: إما الحرب أو الاستسلام.
الرسالة هي: إما دولة يمنية واحدة تحتكر السلاح والقرار، أو مواجهة مع واقع لن تقبل به المنطقة والمجتمع الدولي.
أما إيران، فعليها أن تدرك أن استخدام اليمن كورقة في صراع النفوذ قد يمنحها مكاسب تكتيكية، لكنه يخلق في المقابل ردًا إقليميًا ودوليًا أوسع على فكرة تحويل الدول والممرات الدولية إلى أدوات للضغط.
وهنا جوهر المسألة:
من يسيطر على الأرض لا يملك بالضرورة المستقبل، لكن من يسمح بتثبيت الأمر الواقع قد يجد نفسه لاحقًا مضطرًا لدفع ثمن أكبر لإزالته.
لقد انتظر العالم طويلًا في أزمات كثيرة، ثم اكتشف أن الخطر لم يكن في اللحظة التي وقع فيها الانفجار، بل في اللحظة التي سبقت الانفجار ولم يأخذها أحد بالجدية الكافية.
باب المندب هو تلك اللحظة.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يصل اليوم إلى واشنطن ولندن وبروكسل والرياض وأبوظبي والقاهرة وسائر العواصم العربية ليس:
هل يستطيع الحوثيون تهديد باب المندب؟
بل:
هل نريد أن ننتظر حتى تصبح لديهم قدرة أكثر رسوخًا على ذلك؟
إذا كانت الإجابة لا، فهذه هي لحظة التحرك.
لأن حماية الممرات الدولية لا تبدأ عندما تُغلق؛ بل تبدأ عندما يظهر من يعتقد أنه يستطيع إغلاقها.
وباب المندب اليوم ليس مجرد مضيق.
إنه اختبار: هل ما زال النظام الدولي قادرًا على منع الأمر الواقع، أم أنه لا يتحرك إلا بعد أن يصبح الأمر الواقع هو الحقيقة؟