أمن الخليج أولاً: العالم تغيّر فهل تغيّرنا؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

أمن الخليج أولاً: العالم تغيّر فهل تغيّرنا؟

ليس أخطر ما يواجه الخليج اليوم صاروخاً إيرانياً، ولا ميليشيا عابرة للحدود، ولا حتى حرباً إقليمية واسعة.

الخطر الأكبر قد يكون لحظة الصمت.

اللحظة التي يكتشف فيها الخليج أن الهاتف الذي اعتاد الاتصال به في الأزمات لم يعد يجيب بالسرعة نفسها، وأن العالم الذي بُنيت عليه حسابات الأمن طوال نصف قرن لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة السياسية.

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها ليست سوى قراءة باردة لواقع دولي يتغير أمام أعيننا.

لقد عاش الخليج عقوداً طويلة في ظل معادلة استراتيجية واضحة: النفط مقابل الحماية، والاستقرار مقابل الالتزام الأمني الغربي. كانت هناك قواعد وأساطيل وتحالفات وتعهدات تبدو وكأنها حقائق ثابتة لا تمس.

لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر الأوهام هي تلك التي تتحول إلى مسلمات.

اليوم، تبدو الولايات المتحدة أقل استعداداً لدفع كلفة الحروب البعيدة، وأقل رغبة في لعب دور الشرطي العالمي، وأكثر انشغالاً بصراعاتها الكبرى مع الصين وروسيا وبملفاتها الداخلية. أما أوروبا، فغارقة في أزماتها الأمنية والاقتصادية الخاصة.

في المقابل، لا تبدو إيران في وارد التخلي عن مشروعها الإقليمي بسهولة، حتى لو أبرمت اتفاقات أو قدمت تعهدات أو دخلت في تسويات مؤقتة.

وهنا تكمن المعضلة.

فالمنطقة تدخل مرحلة جديدة لا يختفي فيها الخطر الإيراني، ولا تبقى فيها الضمانات الأمريكية بالشكل الذي عرفناه سابقاً.

بمعنى آخر: الخليج يقف بين تهديد لم ينتهِ، وحماية لم تعد مضمونة بالكامل.

وهذا هو التعريف الحقيقي لليُتم الاستراتيجي.

ليس المقصود أن واشنطن ستغادر غداً أو أن التحالفات ستنهار فجأة. السياسة الدولية أكثر تعقيداً من هذه الصور الدرامية. لكن التحول الحقيقي يحدث عندما تصبح الأولويات الأمريكية مختلفة عن أولويات حلفائها، وعندما تبدأ حسابات المصالح في التباعد تدريجياً.

عندها لا تسقط المظلة دفعة واحدة.

بل تتآكل ببطء.

وهذا أخطر.

لأن الدول عادة تستعد للعواصف، لكنها نادراً ما تستعد لتغير المناخ.

من هنا يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً في الخليج مختلفاً تماماً عما يتداوله كثير من المحللين.

ليس السؤال: هل تشكل إيران خطراً؟

الجميع يعرف الإجابة.

السؤال هو: هل يملك الخليج مشروعاً أمنياً مستقلاً إذا تغيرت قواعد اللعبة الدولية؟

حتى الآن، لا يزال جزء كبير من التفكير الاستراتيجي الخليجي يتحرك داخل إطار رد الفعل لا داخل إطار المبادرة. يتم التعامل مع التهديدات بوصفها أزمات مؤقتة، بينما الحقيقة أنها تعبير عن خلل أعمق في بنية الأمن الإقليمي.

لا توجد دولة خليجية منفردة، مهما بلغت قوتها الاقتصادية أو العسكرية، قادرة على بناء توازن استراتيجي مستدام بمفردها.

لكن دول الخليج مجتمعة تمتلك ما لا تمتلكه قوى إقليمية كثيرة: الثروة، والموقع، والطاقة، والعمق البحري، والعلاقات الدولية، والقدرة على الاستثمار في المستقبل.

ما ينقصها ليس الإمكانات.

ما ينقصها هو الانتقال من مفهوم "أمن الدول" إلى مفهوم "أمن المنظومة".

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.

فالتاريخ لا يرحم المناطق التي تعجز عن بناء منظوماتها الأمنية الذاتية. وعندما تفشل الأقاليم في حماية نفسها، تتحول تدريجياً إلى ساحات تتصارع فوقها القوى الأخرى.

وهذا ما يجب أن يخشاه الخليج أكثر من أي شيء آخر.

ليس الحرب.

بل التحول إلى ساحة.

ولذلك فإن التحدي الأكبر خلال العقد القادم لن يكون مواجهة إيران فقط، بل بناء نموذج أمني خليجي قادر على البقاء حتى لو تغيرت الإدارات في واشنطن، وتبدلت التحالفات، وتراجعت الضمانات الدولية.

في النهاية، لا توجد قوة عظمى تتبنى مصالح الآخرين أكثر مما يتبنونها هم لأنفسهم.

ولا توجد دولة في التاريخ حصلت على ضمانة أبدية.

القوة الحقيقية ليست في عدد الحلفاء.

القوة الحقيقية هي أن يبقى وجود الحلفاء إضافة إلى أمنك، لا بديلاً عنه.

وعندما يصل الخليج إلى هذه المرحلة، لن يخشى اليُتم الاستراتيجي.

لأنه سيكون قد بلغ سنّ الاعتماد على نفسه.