من الاحتواء إلى الردع: هل بدأت دمشق تفكيك آخر أذرع طهران؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

من الاحتواء إلى الردع: هل بدأت دمشق تفكيك آخر أذرع طهران؟

هناك أحداث تمرّ في السياسة كخبر عابر، لكنها في الحسابات الاستراتيجية قد تكون إعلاناً عن ولادة مرحلة كاملة. وما يجري على الحدود السورية مع العراق ولبنان يبدو أقرب إلى هذا النوع من الأحداث: دمشق لا تغيّر فقط طريقة انتشار قواتها، بل تعيد تعريف مفهوم الأمن السوري نفسه.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تعد المعركة الأساسية في سوريا هي معركة إسقاط نظام أو تثبيت سلطة جديدة، بل معركة أصعب بكثير: من يملك حق رسم حدود الدولة، ومن يملك قرار الحرب والسلم داخلها؟

وهنا تحديداً تكمن أهمية الرسائل السورية الأخيرة إلى بغداد وبيروت.

من «الصبر الاستراتيجي» إلى «الردع»

لسنوات طويلة، كانت إيران تنظر إلى الجغرافيا السورية باعتبارها جزءاً من منظومة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان. لم تكن المسألة مجرد وجود مجموعات مسلحة، بل شبكة متداخلة من طرق التمويل والتهريب والسلاح والمقاتلين، جعلت الحدود السورية في مراحل كثيرة أشبه بممر مفتوح أكثر منها حدود دولة.

اليوم، يبدو أن دمشق تريد قلب هذه المعادلة.

الرسالة الجديدة، وفق المعطيات الواردة في المقال، ليست: «نحن نرفض التدخل الإيراني»، بل أكثر وضوحاً وخطورة:

أي تهديد يأتي إلى سوريا عبر وكيل إيراني سيُعامل باعتباره تهديداً للأمن القومي السوري، وسيكون له ثمن.

وهذا فارق استراتيجي هائل.

فالاحتواء يعني أن الدولة تحاول منع التصعيد.

أما الردع فيعني أن الدولة تقول للخصم: إذا تجاوزت الخط الأحمر، فسأرفع كلفة تجاوزك إلى درجة تجعلك تفكر مرتين قبل الإقدام عليه.

طهران أمام مشكلة مختلفة تماماً

المشكلة الإيرانية في سوريا اليوم ليست فقط خسارة حليف سياسي. المشكلة الأكبر هي احتمال خسارة الجغرافيا التي كانت تمنح طهران عمقاً استراتيجياً نحو لبنان.

وهنا تصبح الحدود السورية–العراقية والسورية–اللبنانية أكثر أهمية من أي خطاب سياسي.

إذا أغلقت دمشق ممرات السلاح والتمويل، ونجحت في منع إعادة تجنيد العناصر السابقة، وشددت الرقابة على الحدود، فإن جزءاً أساسياً من قدرة الشبكات الموالية لإيران على العمل سيتآكل.

لذلك، فإن الصراع الحقيقي ليس على نقطة حدودية هنا أو طريق تهريب هناك.

إنه صراع على من يملك الجغرافيا السورية.

ومن يملك الجغرافيا يملك جزءاً كبيراً من مستقبل النفوذ الإقليمي.

العراق... بين الدولة والوكيل

هنا تظهر بغداد في قلب العاصفة.

العراق قد يجد نفسه أمام اختبار لم يعد ممكناً تأجيله: هل تستطيع الدولة أن تفرض قرارها على جميع القوى المسلحة الموجودة على أراضيها؟

لأن استمرار هجمات الفصائل العراقية على دول عربية، ثم استخدام الأراضي العراقية أو المناطق الحدودية منصة للضغط على سوريا، سيحوّل الملف من مشكلة داخلية إلى أزمة أمن إقليمي مفتوحة.

وهذا هو السيناريو الذي يجب أن تخشاه بغداد.

فإذا اتفقت سوريا والأردن ودول خليجية على مبدأ واحد، وهو أن الاعتداءات التي تنطلق من أراضي العراق يجب أن تتوقف، فإن هامش المناورة أمام الحكومة العراقية سيضيق بصورة غير مسبوقة.

لن تكون القضية عندها: ماذا تريد إيران؟

بل: ماذا تستطيع الدولة العراقية أن تمنع؟

وهذا سؤال أكثر خطورة.

الجنوب اللبناني يدخل الحسابات السورية

أما لبنان، فالقصة أكثر حساسية.

إذا صحت المعلومات عن تعزيزات لـ«حزب الله» قرب الحدود السورية، فإن دمشق ستقرأ ذلك من زاوية مختلفة تماماً عن المرحلة السابقة.

في الماضي كان وجود الحزب على الحدود جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي.

أما اليوم، فإن أي وجود مسلح خارج السيطرة السورية يمكن أن يُنظر إليه باعتباره تحدياً مباشراً لسيادة الدولة.

وهنا تظهر معادلة جديدة:

سوريا التي كانت تُستخدم ممراً للسلاح إلى لبنان، تريد أن تتحول إلى دولة تمنع مرور السلاح عبر أراضيها.

وهذا وحده كفيل بإعادة ترتيب قواعد اللعبة.

الأخطر ليس الضربة... بل ما قبل الضربة

لكن من الخطأ اختزال التحول السوري في احتمال مواجهة عسكرية.

المعركة الحقيقية قد تكون قد بدأت بالفعل، ولكن في الظل.

اعتقالات، مراقبة، اختراق خلايا، تجفيف مصادر التمويل، ضبط المعابر غير الرسمية، تفكيك شبكات التهريب، منع إعادة التجنيد، وتشديد السيطرة على الحدود.

هذه ليست تفاصيل أمنية منفصلة.

إنها عملية تفكيك تدريجية للبنية التي تسمح للنفوذ الإيراني بإعادة إنتاج نفسه.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشبكات الموالية لإيران ليس خسارة معركة عسكرية، بل خسارة قدرتها على الحركة دون أن تُرى.

هل نحن أمام تحالف عربي جديد؟

هنا تقع النقطة التي قد تكون الأكثر أهمية في المشهد كله.

السعودية تتحرك ضد تهديدات الميليشيات، والأردن يرفع مستوى التنسيق والرسائل، ودمشق تتجه نحو سياسة أكثر حزماً.

إذا تحولت هذه المواقف من مجرد تقاطع مصالح إلى تنسيق أمني واستخباراتي حقيقي، فإن المنطقة قد تكون أمام ولادة نموذج جديد من الردع العربي.

ليس المطلوب بالضرورة إنشاء حلف عسكري معلن.

يكفي أن تتفق هذه الدول على قاعدة واحدة:

أمن الدولة العربية لا يمكن أن يبقى رهينة لجماعات مسلحة مرتبطة بقوة إقليمية خارج حدودها.

وهنا تبدأ المعادلة بالانقلاب.

لأن قوة الوكلاء تعتمد دائماً على ثلاثة عناصر: الملاذ، والتمويل، والجغرافيا.

إذا بدأت الدول العربية بإغلاق هذه الأبواب في وقت واحد، فإن الوكيل يفقد أهم مصادر قوته حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.

المعركة المقبلة: من يفرض قواعد اللعبة؟

لكن علينا ألا نبالغ.

الطريق أمام دمشق ليس سهلاً، وإيران لا تتخلى بسهولة عن شبكات بنتها خلال سنوات طويلة.

كما أن أي مواجهة مباشرة قد تكون مكلفة لسوريا التي لا تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الحرب الشاملة، بل حرب أعصاب واستنزاف واستخبارات وردع متبادل.

إيران ستختبر حدود دمشق.

الميليشيات ستختبر قدرة الدولة على ضبط الحدود.

دمشق ستختبر مدى استعداد بغداد وبيروت لضبط الفصائل.

والدول العربية ستختبر قدرة إيران على استخدام وكلائها من دون دفع ثمن إقليمي.

وفي هذه المساحة الرمادية تحديداً ستتحدد ملامح الشرق الأوسط الجديد.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها

الحقيقة ليست أن دمشق تستعد فقط لمواجهة ميليشيات على حدودها.

الحقيقة الأعمق أن معركة سوريا المقبلة هي معركة استعادة احتكار الدولة للقوة.

فالدولة التي لا تستطيع حماية حدودها لا تملك سيادة كاملة.

والدولة التي تسمح لجماعات مسلحة مرتبطة بالخارج باستخدام أراضيها أو حدودها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك قرارها الاستراتيجي بالكامل.

ومن هنا يمكن فهم كل هذه التحركات.

إنها ليست مجرد إعادة انتشار عسكري.

إنها محاولة لإعادة بناء الدولة السورية كفاعل مستقل.

وهذا تحديداً ما يجعل المواجهة مع الشبكات الإيرانية أكثر تعقيداً من مواجهة عسكرية تقليدية.

الزلزال الحقيقي لم يبدأ بعد

إذا كانت دمشق قد انتقلت فعلاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع، وإذا تزامن ذلك مع تحول خليجي وأردني في التعامل مع الميليشيات، فإن المنطقة أمام لحظة استراتيجية شديدة الحساسية.

لأن السؤال لم يعد:

هل تستطيع إيران الاحتفاظ بوكلائها؟

السؤال أصبح:

هل يستطيع وكلاء إيران الاحتفاظ بالجغرافيا التي منحتهم القوة طوال السنوات الماضية؟

وهنا يكمن جوهر المعركة.

فإذا نجحت دمشق في إغلاق حدودها، وتجفيف شبكات التمويل والتهريب، ومنع إعادة بناء الخلايا المسلحة، بالتوازي مع تشدد عربي متزايد تجاه الميليشيات، فإن ما نشهده اليوم قد يكون بداية تفكيك تدريجي لنموذج النفوذ الإيراني القائم على الوكلاء.

أما إذا فشلت هذه السياسة، فقد تعود الحدود السورية إلى كونها ساحة صراع مفتوحة.

ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون فقط على دمشق أو بغداد أو بيروت.

ستكون على السؤال الأكبر: من يملك قرار المنطقة... الدول أم الوكلاء؟

والشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه المعركة لن يكون بالضرورة هو الشرق الأوسط الذي دخلها.