الميدان يسبق السياسة: بيروت تواجه احتمال تكرار مأساة ٧ أيار
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
لبنان أصبح ساحة صراع محصورة بين القوى الكبرى، ولا يستطيع التحكم بمصيره بشكل مستقل، ما يعني أن "الميدان يسبق السياسة". في هذه اللحظة الحرجة، يقف لبنان على مفترق طرق مصيري، حيث تتحرك إسرائيل وفق جدول زمني عسكري محدد، بينما يواصل "حزب الله" التماهي الكامل مع إستراتيجية إيران، لتتحول العاصمة بيروت وجنوب البلاد إلى ساحة مواجهة مباشرة بين محورين إقليميين، دون أن تملك الدولة اللبنانية أدوات فاعلة للتحكم أو التفاوض.
القرار اللبناني اليوم معلق بين عجز داخلي وضغوط خارجية متواصلة. فبينما تسعى إسرائيل إلى فرض المنطقة العازلة جنوب الليطاني ونزع سلاح الحزب، تحاول طهران عبر "حزب الله" تحويل لبنان إلى امتداد لجبهتها ضد إسرائيل. واشنطن، من جهتها، تغلق أي باب للمفاوضات، مؤكدة أن أي خطوة لبنانية يجب أن تسبقها إجراءات حاسمة ضد الحزب، مما يمنح إسرائيل الضوء الأخضر لإتمام مهمتها العسكرية دون أي رادع.
على الأرض، تستمر العمليات العسكرية في تصعيد غير مسبوق، مع توسع توغّل الجيش الإسرائيلي، وتصعيد "حزب الله" عبر الصواريخ والتنسيق الإيراني. هذا التصعيد لا يهدد فقط الأمن اللبناني، بل يضع كيان الدولة أمام اختبار وجودي: فالاحتقان الداخلي والانقسامات الطائفية والاجتماعية تزيد من احتمال عودة بيروت إلى سيناريو ٧ أيار 2008، مع تحولات دراماتيكية على خريطة النفوذ السياسي الداخلي.
الدبلوماسية، التي كانت متنفس لبنان في مواجهة أزمات المنطقة، اليوم شبه عاجزة، بعد فشل المبادرات الفرنسية، وإقفال المسار الأمريكي، وعجز الدولة عن فرض أي شروط على أطراف الصراع. لبنان بات رهينة لمبادرات القوى الكبرى، التي تسعى كل منها إلى تحقيق مصالحها على الأرض اللبنانية، مع تجاهل كامل لإرادة الدولة والمواطن.
في هذا المشهد المتفجر، السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيستطيع لبنان الصمود كمكوّن سياسي مستقل، أم أنه سيستمر كأداة صراع خارجي، حيث يتحرك كل طرف وفق مصالحه؟ المؤكد أن الوقت يمر بسرعة، وأن لبنان، إن لم يجد لنفسه موقعًا استراتيجيًا، قد يتحول إلى ساحة حروب بالوكالة، تهدد ليس فقط أمنه، بل استقرار المنطقة بأكملها.
في النهاية، لبنان على خط النار بين إرادات إسرائيلية، وإيرانية، وأمريكية، مع انفجار داخلي محتمل. والميدان، كما يبدو، يسبق السياسة، تاركًا الدولة والمجتمع أمام اختبار تاريخي يعيد رسم خريطة المصالح والنفوذ في قلب الشرق الأوسط.