لبنان أمام الاختبار الخليجي: الإمارات فتحت الباب… والسعودية أعادت الثقة

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

لبنان أمام الاختبار الخليجي: الإمارات فتحت الباب… والسعودية أعادت الثقة

ليست زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي إلى بيروت مجرد مناسبة اقتصادية عابرة، ولا ينبغي للبنان أن يتعامل معها كحدث بروتوكولي ينتهي بانتهاء المؤتمرات وتوقيع مذكرات التفاهم.

ما جرى يحمل معنى أعمق: الخليج بدأ يختبر لبنان من جديد.

الإمارات جاءت برجال أعمال ومستثمرين يبحثون عن مشاريع قابلة للتنفيذ، لا عن خطابات سياسية. والرسالة الإماراتية كانت واضحة: لبنان يستطيع أن يستعيد موقعه الاقتصادي إذا امتلك القدرة على تحويل الفرص إلى مشاريع، والأفكار إلى استثمارات، والوعود إلى نتائج.

لكن في خضم هذا الحراك، هناك حقيقة لا يجوز للبنان أن ينساها: الإمارات ليست وحدها في المشهد الخليجي، والسعودية تحديداً ليست تفصيلاً في المعادلة اللبنانية، بل شريك تاريخي واقتصادي واستراتيجي لا يمكن تجاوز دوره.

فالسعودية لم تكن يوماً مجرد دولة مانحة للبنان. كانت، ولا تزال، جسراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً بين لبنان والخليج. والجالية اللبنانية في المملكة شكّلت على مدى عقود أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني، فيما بقيت السوق السعودية من أهم الأسواق أمام المنتجات اللبنانية. وفي 2026 بدأت بالفعل خطوات عملية لإعادة تنشيط هذه العلاقة، بينها استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة والعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي.

وهنا تحديداً يجب أن نفهم المشهد الجديد.

لبنان لا يحتاج إلى اختيار الإمارات أو السعودية؛ لبنان يحتاج إلى استعادة الخليج كله.

الإمارات تملك قوة استثمارية هائلة وخبرة استثنائية في البنية التحتية والتكنولوجيا والموانئ واللوجستيات والطاقة. والسعودية تملك ثقلاً اقتصادياً واستثمارياً وسوقاً ضخمة وعمقاً عربياً استراتيجياً، فضلاً عن حضور لبناني واسع داخل اقتصادها.

والكويت وقطر وسائر دول الخليج يمكن أن تكون أيضاً جزءاً من هذه العودة.

لذلك فإن الخطأ الأكبر سيكون تحويل الانفتاح الإماراتي إلى حدث منفصل، فيما المطلوب أن يتحول إلى ممر لبناني نحو منظومة اقتصادية خليجية كاملة.

من المساعدات إلى الاستثمار

المرحلة الجديدة يجب أن تكون مختلفة جذرياً.

لبنان لم يعد يستطيع بناء اقتصاده على انتظار مساعدات أو ودائع أو مؤتمرات مانحين. المطلوب اليوم هو الانتقال من اقتصاد الاستجداء إلى اقتصاد الشراكة.

وهذا ما يجعل الزيارة الإماراتية بالغة الأهمية.

فالوفد الإماراتي لم يأتِ للحديث عن قطاع واحد، بل عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واللوجستيات والطاقة والصناعة والأمن الغذائي وغيرها من القطاعات. كما أن الجانب الإماراتي شدد على ضرورة تحويل اللقاءات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والقياس.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة اللبنانية.

هل تستطيع الحكومة أن تقدم للمستثمر مشروعاً واضحاً، بدراسة جدوى واضحة، وتمويل واضح، وضمانات واضحة، وجدولاً زمنياً واضحاً؟

إذا كان الجواب نعم، فلبنان أمام فرصة تاريخية.

أما إذا بقيت المشاريع رهينة الإدارة البطيئة والمحاصصة والبيروقراطية، فإن أكبر الوفود الاستثمارية في العالم لن تستطيع إنقاذ الفرصة.

السعودية والإمارات… لا منافسة بل تكامل

من الخطأ السياسي والاقتصادي أن ينظر البعض إلى الانفتاح الإماراتي وكأنه بديل عن الدور السعودي.

السعودية والإمارات ليستا مشروعين متنافسين على لبنان.

بل يمكن أن يشكلا معاً جزءاً من شبكة استثمار خليجية قادرة على إعادة وضع لبنان على الخريطة الاقتصادية العربية.

السعودية تستطيع أن تكون شريكاً أساسياً في التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار وإعادة الإعمار، بينما تستطيع الإمارات أن تضيف قوة كبيرة في التكنولوجيا واللوجستيات والبنية التحتية والخدمات الحديثة.

والأهم أن عودة السعودية إلى لبنان تحمل بعداً يتجاوز المال.

وقد أظهرت المعطيات الرسمية الأخيرة أن استعادة العلاقات الاقتصادية السعودية–اللبنانية بدأت تدخل مرحلة عملية، من تسهيل الصادرات إلى إعادة تنشيط مجلس الأعمال المشترك.

وهذه فرصة يجب ألا تضيع.

الاستثمار الخليجي لا يعني بيع الدولة، كما أن الشراكة مع القطاع الخاص لا تعني التنازل عن أصول لبنان.

المطلوب هو بناء نموذج حديث يحفظ حقوق الدولة ويعطي المستثمر حقه ويمنع الاحتكار ويضمن المنافسة والشفافية.

مشاريع المرافئ والكهرباء والطرق والرقمنة والنقل والطاقة يمكن أن تتحول إلى محركات نمو حقيقية إذا أُديرت وفق قواعد شفافة وعقود عادلة.

أما إذا تحولت إلى صفقات سياسية، فسنكون أمام إعادة إنتاج للأزمة نفسها ولكن بأموال جديدة.

وهنا مسؤولية الحكومة تاريخية.

الفرصة أمام رئيس الجمهورية والحكومة

لبنان اليوم أمام فرصة سياسية واقتصادية نادرة: أن يثبت أن مرحلة جديدة قد بدأت.

والرسالة يجب أن تكون واضحة إلى السعودية والإمارات وقطر والكويت وسائر الدول العربية:

لبنان عاد إلى الحضن العربي، وعاد إلى الاقتصاد العربي، ومستعد لأن يكون شريكاً لا عبئاً.

لكن الشراكة تحتاج إلى دولة.

دولة تطبق القانون.

دولة تحمي الاستثمار.

دولة تمنع الفساد.

دولة توحّد القرار الاقتصادي.

ودولة لا تسمح لأي طرف سياسي أو حزبي بأن يحول لبنان إلى ساحة نفوذ تمنع العرب والعالم من الاستثمار فيه.

ما بعد الوفد الإماراتي أهم من الوفد نفسه.

فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ عندما تصل الأموال، بل عندما تتغير البيئة التي تستقبل الأموال.

إذا نجح لبنان في تحويل الزيارة الإماراتية إلى مشاريع، وفتح بالتوازي الباب أمام عودة الاستثمارات السعودية، وأعاد بناء علاقاته الاقتصادية مع الخليج، فقد نكون أمام بداية دورة اقتصادية لبنانية جديدة.

أما إذا اكتفينا بالصور والبيانات ومذكرات التفاهم، فسنكتشف بعد أشهر أننا أضعنا فرصة أخرى.

لذلك، المطلوب اليوم ليس أن نسأل:

كم ستدفع الإمارات للبنان؟

بل أن نسأل:

ماذا أعدّ لبنان للإمارات والسعودية والخليج؟

هذه هي عقلية الدولة.

وهذه هي المعركة الحقيقية.

الإمارات فتحت الباب، والسعودية تعيد بناء جسور الثقة، والخليج يراقب. أما لبنان فعليه أن يثبت أنه لم يعد يريد المساعدة فقط، بل أصبح مستعداً لصناعة شراكة حقيقية.

والقرار في النهاية لبناني:

إما أن نكون دولة تستقطب الاستثمارات، أو نبقى دولة تبحث عن من ينقذها.

الفرصة وصلت إلى بيروت… والسؤال الآن: هل لبنان جاهز لها؟