العالم تغيّر… ومجلس الأمن ما زال في 1945 كيف تحوّل “الفيتو” إلى رصاصة في قلب العدالة الدولية؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم خاص مراسل نيوز

العالم تغيّر… ومجلس الأمن ما زال في 1945       كيف تحوّل “الفيتو” إلى رصاصة في قلب العدالة الدولية؟

منذ تأسيسها عام 1945، لم تكن الأمم المتحدة مجرد مؤسسة بيروقراطية… بل كانت رهان البشرية الأخير بعد أكثر الحروب دموية في التاريخ.

إطارٌ عالمي قيل لنا إنه سيمنع الحروب الشاملة، ويُنصف المظلوم، ويضع القانون فوق القوة.

ورغم كل الانتقادات، لا يمكن إنكار أن الأمم المتحدة نجحت أحيانًا في:

إنهاء نزاعات، احتواء أزمات، ورعاية اتفاقات سلام… ومنحت العالم لغة مشتركة اسمها: الشرعية الدولية.

لكن المشكلة اليوم ليست في “وجود الأمم المتحدة”…

المشكلة أن الأمم المتحدة نفسها أصبحت رهينة نظام قديم، وعلى رأسه: مجلس الأمن.

مجلسٌ يُفترض أنه يحمي العالم… لكنه في الحقيقة صار يحدد من يستحق الحياة، ومن يُترك تحت الركام.

حين يتحوّل حق النقض إلى أداة تعطيل عالمي

يتكوّن مجلس الأمن من خمسة أعضاء دائمين يمتلكون “الفيتو”:

الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا.

هذا الامتياز لم يُصمَّم ليكون سلاحًا لتعطيل العدالة، بل قيل إنه وُضع لمنع صدام القوى الكبرى.

الولايات المتحدة استخدمت الفيتو أكثر من 580 مرة

الاتحاد السوفيتي وروسيا قرابة 125 مرة

الصين وبريطانيا وفرنسا استخدمته كلما اصطدمت القرارات بمصالحها

والنتيجة؟

قرارات تُسقط، جرائم تُنسى، ودماء تتحوّل إلى “تفاصيل سياسية”.

هكذا أصبح الفيتو ليس أداة استقرار… بل آلية شلل عالمي تفرغ الشرعية الدولية من أي معنى أخلاقي.

شرعية بلا تمثيل: من يقرر مصير العالم؟

السؤال الحقيقي لم يعد:

لماذا يوجد الفيتو؟

بل أصبح:

من يملك حق تقرير مصير العالم؟

في عام 1945، كانت هذه الدول الخمس تمثل فعلاً القوى العظمى عسكريًا واقتصاديًا.

لكن في القرن الحادي والعشرين… تغيّر كل شيء

اليوم هناك قوى صاعدة تمتلك:

ثقلًا سكانيًا هائلًا (الهند)

قوة اقتصادية وصناعية كبرى (ألمانيا)

نفوذًا دوليًا متصاعدًا (البرازيل، تركيا)

أدوارًا محورية في الطاقة والاستقرار الإقليمي (السعودية، مصر)

ومع ذلك…

ما زالت هذه الدول خارج دائرة القرار الحقيقي، بينما تحتكر أقلية دولية حق تعطيل إرادة الأغلبية.

خمسة فقط… يقررون عن ثمانية مليارات.

أي شرعية هذه؟

إيران… نموذج الدولة التي اختارت الصدام بدل التحوّل

كان بإمكان إيران أن تكون دولة إقليمية كبرى… بل شريكًا في استقرار المنطقة بحكم موقعها وثرواتها وتاريخها.

لكن خيارات النظام السياسي قادتها إلى طريق مختلف تمامًا:

العزلة بدل الاندماج… والصراع بدل التنمية.

والوقائع أمام العالم لا يمكن إنكارها:

احتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبو موسى منذ عام 1971

السيطرة على إقليم الأهواز (عربستان) الغني بالنفط منذ عام 1925

توسيع النفوذ عبر أذرع عسكرية تتدخل في شؤون دول عربية، وتغذّي الانقسامات بدل بناء الدول

بهذا السلوك لم تصنع إيران “قوة شرعية”…

بل صنعت خصومات، عزلة، وأزمة دائمة.

لأن الحقيقة البسيطة تقول:

القوة بلا شرعية لا تصنع دولة عظمى… بل تصنع كارثة طويلة الأمد.

الخلل الحقيقي: نظام دولي بلا تحديث

المشكلة ليست في نصوص ميثاق الأمم المتحدة فقط…

بل في تقديس نظام وُضع لعالم انتهى.

النظام الدولي الحالي باختصار:

يعاقب الضعفاء ويتسامح مع الأقوياء

يدين الانتهاكات انتقائيًا

يربط العدالة بمصالح الدول الكبرى لا بالقانون الدولي

وهنا الخطر الأكبر:

لا يمكن لنظام بهذا الشكل أن يحافظ على مصداقيته طويلًا…

ولا يمكنه منع الفوضى في عالم سريع التحوّل.

العالم لا يحتاج إلى إسقاط الأمم المتحدة… بل إلى إعادة بنائها بجرأة سياسية.

إصلاح حقيقي يبدأ من هنا:

إصلاح مجلس الأمن

توسيع العضوية الدائمة لتشمل قوى العصر

تقييد استخدام الفيتو في القضايا الإنسانية

إعادة تعريف “الشرعية الدولية” بما يعكس توازنات القرن الحالي

لأن الاستمرار في إدارة أزمات اليوم بعقلية 1945…

يعني شيئًا واحدًا:

القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن الاستقرار…

بل قرن الانفجارات المتكررة والأزمات المؤجلة.

إصلاح النظام الدولي لم يعد ترفًا فكريًا…

بل ضرورة وجودية لعالم يوشك أن يفقد ثقته بما تبقى من مؤسساته.

العالم تغيّر… ومجلس الأمن ما زال في 1945.