لبنان في قلب المعركة الإيرانية: كيف تستعيد الدولة مفتاح القرار؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
لم تعد المعركة في لبنان مجرد خلاف على تنفيذ اتفاق أو تباين حول الانسحاب الإسرائيلي أو سلاح حزب الله ما يجري أعمق بكثير: إنه صراع على وظيفة لبنان في النظام الإقليمي الجديد، وعلى الجهة التي ستملك حق اتخاذ القرار عندما تنتهي مرحلة الحروب وتبدأ مرحلة التسويات.
اتفاق الإطار الذي أُنجز في 26 حزيران بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية فتح نافذة نادرة أمام نقل الملف اللبناني من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التفاوض السياسي. لكن هذه النافذة تواجه اليوم اختبارات قاسية، فيما تتداخل الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية واللبنانية على أرض واحدة.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عند ما وراء المشهد.
إيران لا تحتاج في هذه المرحلة إلى تحقيق انتصار كامل في لبنان؛ يكفيها أن تمنع الدولة اللبنانية من تحقيق انتصار سياسي كامل.
فطهران، التي تواجه ضغطاً أميركياً وعقوبات وحرباً إقليمية مفتوحة، تحتاج إلى إثبات أن نفوذها لم يتحول إلى أثر من الماضي. ولذلك يصبح لبنان، إلى جانب العراق واليمن، إحدى ساحات إثبات القدرة على التأثير. وليس المطلوب بالضرورة إشعال حرب جديدة؛ بل إبقاء الأوراق الإقليمية حيّة وقابلة للاستخدام عندما تجلس واشنطن وطهران إلى طاولة تفاوض جديدة.
والتطورات الأخيرة تؤكد أن العلاقة بين الملفين الإيراني واللبناني ليست نظرية فقط؛ واشنطن أعلنت في 20 آب عقوبات جديدة تستهدف شبكات مالية مرتبطة بـ حزب الله وتؤكد صلاته بالحرس الثوري الإيراني.
لكن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه بيروت هو أن تتعامل مع نفسها باعتبارها مجرد ساحة تنتظر قرار الآخرين.
لبنان ليس ورقة إيرانية، ولا ورقة إسرائيلية، ولا ورقة أميركية. لبنان يجب أن يصبح صاحب الورقة.
الحل لا يكون بالدخول في مواجهة داخلية مفتوحة، ولا بمحاولة إلغاء مكوّن لبناني، ولا بتحويل الدولة إلى طرف في حرب جديدة. الحل يبدأ من استعادة الدولة لاحتكار القرار الاستراتيجي تدريجياً، عبر مسار سياسي واضح ومحدد ومضمون دولياً.
المطلوب أولاً وضع خريطة طريق لبنانية واحدة تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تثبيت وقف إطلاق النار، تنفيذ الالتزامات المتبادلة في اتفاق الإطار، ثم معالجة مسألة السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية واضحة.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة لبنان بتنفيذ التزاماته بينما تبقى الخروقات الإسرائيلية بلا معالجة. الدولة اللبنانية تحتاج إلى ضمانات أميركية ودولية قابلة للقياس والتنفيذ، لا إلى بيانات سياسية.
وهنا يجب أن تكون الدبلوماسية اللبنانية أكثر صرامة:
لا سلاح خارج الدولة، ولا احتلال أو خروقات أو اعتداءات بلا مساءلة.
المعادلة يجب أن تكون متكاملة، لأن مطالبة لبنان بخطوة واحدة وترك الطرف الآخر بلا التزامات متوازية سيحوّل الاتفاق إلى أداة ضغط على الدولة، لا إلى طريق للسلام.
أما الحوار مع حزب الله فلا ينبغي أن يكون حواراً حول حق الحزب في امتلاك دولة داخل الدولة، بل حواراً حول كيفية انتقال قدراته العسكرية إلى استراتيجية دفاعية تخضع حصراً للمؤسسات الشرعية.
وهنا تكمن أهمية أي دعوة أميركية لإشراك الحزب وإيران في التسوية. فقد نقلت تقارير حديثة عن المبعوث الأميركي توم برّاك قوله إن أي تسوية جدية في لبنان لا يمكن أن تتجاهل
حزب الله
وإيران.
لكن على لبنان أن يقلب هذه المعادلة لمصلحته:
إذا كان الآخرون يريدون إشراك إيران في حل لبنان، فليكن حضور إيران عبر الدبلوماسية لا عبر السلاح. وإذا كان لا بد من الحوار مع الحزب، فليكن الحوار لإدخاله نهائياً تحت سقف الدولة، لا لتثبيت ازدواجية القرار.
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع
لأن إعطاء أي طرف مسلح حق الفيتو على القرار الوطني يعني عملياً إبقاء لبنان رهينة للتوازنات الإقليمية. وفي المقابل، محاولة معالجة السلاح بالقوة الداخلية قد تعيد إنتاج الحرب الأهلية بأدوات جديدة.
لذلك فإن الطريق الثالث هو التدرج، والضمانات، والاحتواء السياسي، وبناء قدرة الدولة.
لبنان يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء جيشه ومؤسساته الأمنية والاقتصادية، لأن السيادة ليست بنداً دستورياً فقط. السيادة تحتاج إلى قوة تحميها واقتصاد يمنع ابتزازها ومؤسسات تجعل المواطن يرى الدولة بديلاً حقيقياً عن أي قوة أخرى.
وهنا تحديداً يجب أن تتغير الأولويات.
فالدولة الضعيفة لا تستعيد سيادتها بالشعارات، وإنما ببناء مؤسسات قوية، واقتصاد قادر، وجيش قادر، وقضاء مستقل، ودبلوماسية تعرف ماذا تريد.
أما إيران، فإن أفضل طريقة لإخراج لبنان من دائرة استخدامها كورقة تفاوضية ليست الدخول في حرب معها، بل إغلاق الحاجة اللبنانية إلى الوصاية الخارجية.
وحين تصبح الدولة اللبنانية قوية بما يكفي، لن يعود السؤال: ماذا تريد طهران من لبنان؟
بل سيصبح السؤال: ماذا يريد لبنان من طهران وواشنطن وتل أبيب وكل العواصم؟
وهنا تتحول المعادلة من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة.
المطلوب اليوم ليس انتصار فريق لبناني على فريق آخر، بل انتصار فكرة الدولة على منطق الساحات.
فإذا نجحت بيروت في تحويل اتفاق الإطار من مجرد وثيقة أمنية إلى مشروع لإعادة بناء السيادة اللبنانية، فإن ما يبدو اليوم مأزقاً يمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية.
أما إذا بقي لبنان ينتظر القرار الإيراني أو الإسرائيلي أو الأميركي، فستبقى كل تسوية مؤقتة، وكل هدنة قابلة للانفجار، وكل حكومة مهددة بأن تتحول إلى مجرد مدير للأزمة.
المعركة الحقيقية إذن ليست: من انتصر، إيران أم أميركا؟
المعركة الحقيقية هي:
هل يستطيع لبنان أن يخرج للمرة الأولى من موقع الورقة في صراع الآخرين، ليصبح هو صاحب القرار في مستقبله؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للرئيس جوزف عون وللدولة اللبنانية: ليس فقط حماية لبنان من الحرب، بل استعادة حق لبنان في أن يقرر وحده متى يحارب، ومتى يتفاوض، ومتى يصنع السلام.
لأن السيادة التي تحتاج إلى إذن من الخارج ليست سيادة.
والحل يبدأ من هنا: دولة واحدة، قرار واحد، جيش واحد، ودبلوماسية لبنانية لا تتلقى التعليمات من أي عاصمة.