اعتراضات بري على أداء "حزب الله" تتضح: صيغة التنسيق السابقة انتهت
لا يمكن أيّ راصد لحركة رئيس مجلس النواب نبيه بري، في الفترة التي تلت 2 آذار الماضي، أن يخطئ التقدير الذي يعتمد نظرية أن سيّد عين التينة ليس في أحسن حالاته السياسية، لكنه ما انفك قادرا، ببراعته المعهودة، على استيعاب الضغوط بالجملة التي تمارسها عليه أكثر من جهة، والتكيف معها عبر تسوية سياسية، وهو ما يسميه البعض لعبة إخراج الأرانب من الكمّ.والواضح أن واقع الحال هذا كشف المواقف المثيرة التي دأب بري على إطلاقها أخيرا، سواء ما يتصل منها:- بجدلية علاقته المركبة مع شريكه في الثنائي الشيعي، أي حزب الله.- بالسلطة الحالية التي عند اشتباك ركنيها مع شريكه في الثنائي، تجد عنده ما تطلبه ويضمن لها الإسناد.- بالجانب الأميركي الذي لم يعد يتعامل معه تعاملا مع الولد المدلل الذي كان يتلافى التضييق عليه، بل ضاعف أخيرا ضغوطه عليه إلى درجة وضع أقرب المقربين منه، النائب علي حسن خليل، على اللائحة السوداء، ففسرت على أنها رسالة شديدة اللهجة معناها أن الزمن الأول تحول ويتعين عليه أن ينتظر مزيدا من خطوات التضييق وشد الخناق ما لم يطلق في أسرع وقت مسار تمايز أكبر وأكثر جدية مع الحزب.تمايزات إضافية مع الحزببناء عليه، مضى بري أخيرا في خيار أطلق عليه المراقبون عنوان رسم تمايزات إضافية مع الحزب لصرفها في مجالين:الأول: الظهور بمظهر مرشد الخطوات للحزب، والكابح اندفاعته.الثاني: الإثبات أنه ماض عملانيا في نهج التمايز مع الحزب.بوادر الانطلاق في نهج الافتراق التدريجي عن الحزب قديمة نسبيا، وتعود إلى يوم لم يعترض بري على تبني السلطة ورقة الموفد الأميركي السابق إلى بيروت توم برّاك، ثم تبعه بقبوله العلني لقرارات مجلس الوزراء في 5 آب الماضي.وكانت الذروة في الموافقة على مقررات المجلس نفسه في 2 آذار الماضي، والتي جرّمت سلاح الحزب، وكانت المقتضى القانوني الذي استندت إليه السلطة لمصادرة شحنة المتفجرات في أثناء عبورها حاجز ضهر البيدر.وبعدها كرّت سبحة التباينات، لا سيما بعدما وفّر الأخ الأكبر الحصانة للرئاسة الأولى ويوفر الدعم والغطاء لحكومة نواف سلام.وأكثر من ذلك، دخل بري بكل روية دائرة المحظور عند الحزب، عندما قال إن في مقدور إسرائيل اجتياح كل الجنوب إن شاءت، ولا أحد يمنعها، فردّ بذلك على نحو غير مباشر على إعلان الحزب المتكرر أنه مستعد لمواجهة إسرائيل.وضع حرجوفق استنتاج متابعين لأداء بري، فقد وجد نفسه في الأيام القليلة الماضية في وضع حرج، وخصوصا بعد ضبط شحنة المتفجرات. فلا هو قادر على مجاراة الحزب في موقفه، مع علمه بأن الجانب الأميركي متشدد حيالها ويجدها برهانا مطلوبا من الدولة إثباته على جدية تنفيذ قراراتها ذات الشأن، ولا يريد رؤية النار تشتعل في الساحة الشيعية التي هو شريك فيها، فيقف محايدا أو مكتوفا. وحيال ذلك المشهد المحتدم خرج بري بلاءات ثلاث:- لم يعد هناك مكان لنظرية أخ أكبر ولا أخ أصغر، فقد انتهى مفعولها.- علاقته بالحزب لم تعد بالدفء الذي كانت عليه أيام الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله.- لا يرى مبررا لتوسل الشارع طريقا إلى الاعتراض.وبمعنى آخر، يبعث بري برسالة جديدة للحزب فحواها أنه لم يعد قانعا بأن يتصرف الحزب وحده ويطلب إليه أن يكون معه، وهو لا يتشاور معه، وقد قلل التنسيق المسبق إلى أقصى الحدود حتى بات كآخر من يعلم، ومن ثم يطلب منه أن يكون الأخ الأكبر الذي عليه أن يشاطره في المواجهة وتحمل الأعباء.
شهدت العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله تحولات حادة منذ مارس الماضي، حيث بدأ بري في رسم حدود واضحة تجاه شريكه في الثنائي الشيعي، مما يعكس نهاية لصيغة التنسيق والتعاون التي ساد لسنوات طويلة.
يعكس المسار الذي اتخذه بري مؤخراً ضغوطات متعددة يتعرض لها من جهات مختلفة. فمن جهة، زادت الجهات الأجنبية من الضغط عليه، خاصة بعد وضع أحد مقربيه على لائحة عقوبات، وهي خطوة اعتبرت رسالة واضحة بضرورة إظهار مزيد من الاستقلالية عن الحزب. من جهة أخرى، يسعى بري للحفاظ على توازناته السياسية مع السلطة الحالية التي تطلب منه دعماً لقراراتها.
بدأت بوادر الافتراق عندما لم يعترض بري على قرارات السلطة بخصوص الملفات الحساسة، بل تطورت إلى موافقته على قرار مجلس الوزراء في مارس الذي جرّم سلاح الحزب. لكن الخطوة الأكثر جرأة جاءت عندما دخل بري "دائرة المحظور" بتصريحه أن بإمكان إسرائيل اجتياح الجنوب دون أن يمنعها أحد، وهو تصريح يناقض موقف الحزب المتكرر بشأن استعداده للمواجهة.
في الأيام الأخيرة، أطلق بري عدة إشارات واضحة تؤكد على نهاية مرحلة. أعلن أنه لا مكان بعد الآن لنظرية الأخ الأكبر والأخ الأصغر، كما أشار إلى أن دفء العلاقة مع الحزب تراجع عما كان عليه سابقاً. وجدد رفضه لأي محاولة لتعبئة الشارع في الاعتراض على القرارات.
برسالته الجديدة يطالب بري الحزب بالتشاور معه والمشاركة في المسؤولية بدلاً من التصرف بشكل منفرد وإملاء القرارات. يعكس هذا التحول نقلة نوعية في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث يسعى بري لاستعادة دور متوازن بدلاً من موقع تابع كما كان عليه الحال في السنوات الماضية." }