الغذاء الصحي في لبنان: هل أصبح امتيازاً بدل أن يكون حقاً؟

ماريا علايليقد تمتلئ الأسواق اللبنانية بالخضار والفواكه والمواد الغذائية. لكن توافر الغذاء لا يعني بالضرورة القدرة على شرائه. فمع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، أصبح تأمين غذاء صحي ومتوازن تحدياً يومياً لكثير من الأسر. والسؤال اليوم لم يعد فقط: هل يتوافر الغذاء؟ بل هل يستطيع الجميع الحصول على غذاء صحي؟أرقام تكشف حجم التحديوفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الصادر في نيسان 2026 بالتعاون بين وزارة الزراعة اللبنانية ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، كان من المتوقع أن يواجه نحو 1.24 مليون شخص في لبنان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026. ويعادل ذلك نحو 24% من السكان الذين شملهم التحليل.ولا تقتصر المشكلة على نقص الغذاء. فقد أشار تقرير للفاو إلى أن معدل التضخم السنوي لأسعار المواد الغذائية بلغ 18% في حزيران 2026. وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار يواصل الضغط على ميزانيات الأسر، حتى عندما تكون المنتجات متوافرة في الأسواق.الغذاء الكافي ليس دائماً غذاءً صحياًلا يُقاس الأمن الغذائي بكمية الطعام وحدها. بل يشمل القدرة على الحصول على غذاء آمن ومتنوع يلبي الاحتياجات الغذائية.فقد تتمكن الأسرة من تأمين وجبات يومية، لكنها قد تضطر إلى تقليل شراء الفواكه والخضار واللحوم والأسماك وغيرها من الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية. وقد تلجأ إلى خيارات أقل تكلفة، لكنها لا توفر دائماً التنوع الغذائي المطلوب.وهنا يظهر خطر آخر. فقد يؤدي ضعف جودة النظام الغذائي إلى نقص بعض العناصر الغذائية، حتى عند الحصول على سعرات حرارية كافية. كما قد يرتبط الاعتماد المتكرر على أطعمة مرتفعة الطاقة وضعيفة القيمة الغذائية بزيادة مخاطر السمنة والأمراض المزمنة.ماذا تقول الأبحاث في لبنان؟أظهرت دراسة علمية منشورة في مجلة Public Health Nutrition عام 2026 أن تكلفة الغذاء الصحي تمثل تحدياً مهماً في لبنان.وشملت الدراسة 444 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً. ووجدت أن 31.1% فقط من المشاركين بلغ إنفاقهم الغذائي أو تجاوز الحد الأدنى للتكلفة المقدّرة للنظام الغذائي المتوسطي الذي درسته.وتشير هذه النتيجة إلى وجود فجوة بين الإنفاق الغذائي الفعلي وتكلفة اتباع نظام غذائي صحي. لكنها لا تعني أن جميع المشاركين الذين أنفقوا أقل من هذا الحد يعانون بالضرورة من سوء التغذية.وتؤكد الدراسة أهمية النظر إلى تكلفة الغذاء عند وضع السياسات الصحية والغذائية. فالتوعية بالتغذية السليمة وحدها لا تكفي إذا كانت الخيارات الصحية خارج القدرة الشرائية للأسر.من يتحمل العبء الأكبر؟تتأثر الأسر ذات الدخل المحدود بشكل أكبر بارتفاع أسعار الغذاء. كما تزداد المخاطر لدى الأطفال والحوامل وكبار السن، بسبب احتياجاتهم الغذائية الخاصة.وقد تضطر بعض الأسر إلى تقليل تنوع وجباتها أو الاستغناء عن أغذية مهمة. ولا تنعكس هذه القرارات على الصحة فقط، بل قد تؤثر أيضاً في نمو الأطفال وصحتهم على المدى الطويل.لذلك، يجب ألا يُنظر إلى الغذاء الصحي بوصفه خياراً فردياً يعتمد على المعرفة والإرادة وحدهما. فهو يرتبط أيضاً بالدخل والأسعار وبيئة الغذاء والسياسات العامة.كيف نجعل الغذاء الصحي في متناول الجميع؟تبدأ الحلول بقياس التكلفة الفعلية لنظام غذائي صحي في مختلف المناطق اللبنانية. ويمكن استخدام هذه البيانات لتحديد الفجوة بين أسعار الغذاء ودخل الأسر، وتوجيه برامج الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة.كما يمكن تطوير مساعدات غذائية تراعي القيمة الغذائية، لا كمية الطعام فقط. ويشمل ذلك دعم الوصول إلى الخضار والفواكه والبقوليات وغيرها من الأغذية الأساسية.ومن المهم دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتحسين النقل والتخزين، وتقليل الخسائر على طول سلسلة الإمداد. فقد تساعد هذه الإجراءات في تحسين توافر المنتجات والحد من بعض التكاليف.ويمكن أيضاً تعزيز دور المدارس والجامعات والمراكز الصحية في نشر المعرفة الغذائية. لكن يجب أن تترافق التوعية مع حلول اقتصادية تجعل الخيارات الصحية ممكنة.دعوة إلى سياسة غذائية تضع التغذية في صلب الأولوياتيحتاج لبنان إلى تعاون بين وزارات الزراعة والصحة العامة والشؤون الاجتماعية والاقتصاد، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.ويمكن البدء بإعداد سلة غذائية صحية مرجعية، تتناسب مع العادات الغذائية اللبنانية وتُحدّث أسعارها بشكل دوري. كما يمكن ربط نتائجها ببرامج الحماية الاجتماعية، وتقييم مدى قدرة الأسر على تأمينها.وللجامعات والباحثين الشباب دور مهم في هذا المجال. إذ يمكنهم دراسة تكلفة الأنظمة الغذائية، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتطوير حلول غذائية محلية منخفضة التكلفة وذات قيمة غذائية جيدة.الغذاء الصحي حق لا امتيازلا يكفي أن نطلب من الناس تناول غذاء صحي إذا لم تكن لديهم القدرة على شرائه. فالتغذية السليمة ليست مسؤولية الفرد وحده، بل نتيجة لسياسات غذائية واقتصادية واجتماعية مترابطة.ويحتاج لبنان اليوم إلى الانتقال من التركيز على توافر الغذاء إلى ضمان القدرة على الحصول على غذاء صحي وآمن ومتنوع.فنجاح النظام الغذائي لا يُقاس فقط بما تعرضه الأسواق، بل بما تستطيع الأسر وضعه على موائدها.

الغذاء الصحي في لبنان: هل أصبح امتيازاً بدل أن يكون حقاً؟

 "الغذاء الصحي في متناول القلة: أزمة القدرة الشرائية على الغذاء المتوازن": "لبنان"

رغم امتلاء الأسواق اللبنانية بالخضار والفواكه والمواد الغذائية المتنوعة، إلا أن توافر الغذاء لا يترجم بالضرورة إلى قدرة الأسر على شرائه. فقد أصبح تأمين غذاء صحي ومتوازن تحدياً يومياً مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ما يثير تساؤلاً حقيقياً: هل الغذاء الصحي حق للجميع أم امتياز للقادرين؟

أظهرت بيانات تصنيف الأمن الغذائي الصادرة في نيسان 2026 أن حوالي 1.24 مليون شخص في لبنان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يعادل 24% من السكان المشمولين بالتحليل. وتفاقم الوضع بارتفاع معدل التضخم السنوي لأسعار المواد الغذائية الذي بلغ 18% في حزيران من العام ذاته، ما يزيد الضغط على ميزانيات الأسر حتى عندما تكون المنتجات متوافرة.

لا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي على كمية الطعام المتاح، بل يشمل القدرة على الحصول على غذاء آمن ومتنوع يلبي الاحتياجات الغذائية. قد تتمكن الأسرة من تأمين وجبات يومية، لكنها قد تضطر إلى التخلي عن الفواكه والخضار واللحوم والأسماك والأغذية الغنية بالعناصر الغذائية، واللجوء بدلاً منها إلى خيارات أقل تكلفة لكنها فقيرة من حيث القيمة الغذائية.

تحمل هذه الممارسات مخاطر صحية حقيقية، إذ قد يؤدي الاعتماد المتكرر على أطعمة مرتفعة الطاقة وضعيفة القيمة الغذائية إلى نقص العناصر الغذائية الأساسية وزيادة مخاطر السمنة والأمراض المزمنة، حتى عند الحصول على سعرات حرارية كافية.

أكدت دراسة علمية نُشرت عام 2026 واقع الأزمة، حيث شملت 444 شخصاً وأظهرت أن 31.1% فقط من المشاركين بلغ إنفاقهم الغذائي أو تجاوز الحد الأدنى المقدّر لتكلفة نظام غذائي صحي ومتوازن. تؤكد هذه النتيجة وجود فجوة واضحة بين الإنفاق الغذائي الفعلي للأسر وتكلفة الغذاء الصحي الحقيقية.

تتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر من هذه الأزمة، بينما تزداد المخاطر على الأطفال والحوامل وكبار السن الذين يتطلبون احتياجات غذائية خاصة. قد تضطر بعض الأسر إلى تقليل تنوع وجباتها أو الاستغناء عن أغذية أساسية، ما ينعكس سلباً ليس فقط على الصحة الفورية بل على نمو الأطفال وصحتهم على المدى الطويل.

يتطلب الحل نهجاً متكاملاً يبدأ بقياس التكلفة الفعلية للنظام الغذائي الصحي في مختلف المناطق، واستخدام هذه البيانات لتوجيه برامج الدعم نحو الفئات الأكثر احتياجاً. كما يجب تطوير مساعدات غذائية تركز على القيمة الغذائية وليس كمية الطعام فحسب، وتشمل دعم الوصول إلى الخضار والفواكه والبقوليات والأغذية الأساسية.

يستلزم الأمر أيضاً دعم الإنتاج الزراعي المحلي وتحسين النقل والتخزين وتقليل الخسائر على طول سلسلة الإمداد، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية في نشر المعرفة الغذائية. لكن التوعية وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع حلول اقتصادية فعلية تجعل الخيارات الصحية متاحة وممكنة.

يحتاج لبنان إلى تعاون حقيقي بين الوزارات المعنية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني. ويمكن البدء بإعداد سلة غذائية صحية مرجعية تتناسب مع العادات الغذائية المحلية وتُحدّث أسعارها بشكل دوري، وربط نتائجها ببرامج الحماية الاجتماعية لتقييم قدرة الأسر على تأمينها.

الغذاء الصحي ليس خياراً شخصياً يعتمد على المعرفة والإرادة وحدهما، بل هو حق أساسي يرتبط بالدخل والأسعار والسياسات العامة. لا يكفي أن يطلب المجتمع من الناس تناول غذاء صحي إذا لم تكن لديهم القدرة المالية على شرائه. النجاح الحقيقي للنظام الغذائي لا يُقاس بما تعرضه الأسواق، بل بما تستطي