عقبات متعددة تؤخر ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا رغم التغييرات السياسية

لم يؤدِّ سقوط نظام بشار الأسد إلى إطلاق مسار ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، على الرغم من أن التغيير السياسي في دمشق أتاح فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة، بعيداً من إرث الوصاية والخلافات التي حكمت مرحلة طويلة. لكن إزالة أحد العوائق السياسية لا تعني أن الترسيم بات أولوية تلقائية لدى الطرفين، ولا سيما لدى السلطة السورية الجديدة التي تواجه استحقاقات داخلية وأمنية واقتصادية تتقدم، في حساباتها الراهنة، على حسم ملف الحدود مع لبنان.المفارقة أن الحاجة إلى الترسيم تبدو مشتركة، خصوصاً في ظل استمرار التهريب عبر المعابر غير الشرعية، وما يرافقه من مخاطر أمنية واقتصادية، فيما لا تزال الخطوات العملية دون مستوى التوقعات التي رافقت سقوط النظام السابق. وبينما تتحدث حكومة لبنان عن ضرورة ضبط الحدود وتثبيت السيادة، لا تبدو دمشق مستعجلة للانتقال بهذا الملف إلى مرحلة الحسم النهائي.أولويات دمشق وملفات تتقدم على الترسيمتواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات داخلية واسعة، تتصل بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتثبيت الاستقرار الأمني، ومعالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لسنوات الحرب، فضلاً عن إدارة ملفات المناطق التي لا تزال تشهد توترات وتعقيدات سياسية وأمنية. وفي ظل هذا الواقع، لا يحتل ترسيم الحدود مع لبنان موقعاً متقدماً في سلم الأولويات السورية، على الرغم من أهميته للطرفين.كذلك، فإن جدول الأعمال اللبناني السوري مزدحم بملفات أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، من معالجة أزمة النازحين السوريين وتهيئة الظروف لعودتهم، إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتنظيم النقل البري، ومعالجة الملفات القضائية والأمنية العالقة. وهذه القضايا تفرض نفسها على الاتصالات الثنائية، وتدفع الترسيم إلى مرتبة لاحقة، من دون أن يعني ذلك أن دمشق اتخذت قراراً نهائياً برفضه أو تعطيله.وقد أظهرت الاجتماعات اللبنانية السورية التي عُقدت في آب الماضي وجود استعداد لتعزيز التنسيق في إدارة المعابر وتبادل المعلومات ومكافحة التهريب وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع. إلا أن التعاون في هذه المجالات لا يعوّض غياب مسار واضح لترسيم الحدود، ولا يجيب عن السؤال المتعلق بموعد الانتقال من التنسيق الأمني إلى تثبيت الحدود بصورة نهائية.شبعا والجولان... ما يتجاوز الخلاف الثنائيإلى جانب الأولويات السياسية، يصطدم الترسيم بتعقيدات جغرافية وتاريخية لا يمكن حسمها بقرار إداري أو باتفاق تقني سريع. فهناك مناطق تحتاج إلى مراجعة الخرائط والوثائق والملكيات، فيما تبرز مزارع شبعا بوصفها العقدة الأكثر حساسية، لأنها تتجاوز العلاقة اللبنانية السورية إلى نزاع أوسع يتصل بالاحتلال الإسرائيلي للجولان والأراضي المحيطة به.إن تحديد هوية مزارع شبعا وترسيم الحدود في هذه المنطقة يرتبطان بمسألة السيادة والاحتلال، وبالموقف الذي ستعتمده الدول المعنية إزاء الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل. ولذلك، فإن معالجة هذا الجانب لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي، ولا عن التعقيدات التي تحكم أي مسار سياسي يتعلق بالجولان المحتل.ولا تقتصر الإشكاليات على الجنوب، إذ إن أجزاء من الحدود الشمالية والشرقية تحتاج بدورها إلى معالجة تقنية وتوافق رسمي، في ظل تداخل بعض المناطق والملكيات ووجود مسارات تقليدية لحركة السكان والبضائع. ويمكن الاستعانة بالخرائط والوثائق التاريخية، بما فيها الأرشيف الفرنسي، لتسهيل العمل الفني، لكن هذه الأدوات لا تغني عن القرار السياسي المطلوب لاعتماد النتائج وتثبيتها رسمياً.في المحصلة، لا يبدو أن الترسيم متوقف على عائق واحد، بل على تداخل الأولويات السورية والملفات الثنائية العاجلة والتعقيدات التقنية والإقليمية. وإذا كانت الظروف السياسية الجديدة قد فتحت نافذة لمعالجة هذا الإرث، فإن تحويل الفرصة إلى إنجاز يتطلب قراراً مشتركاً بإطلاق لجنة فنية ذات صلاحيات واضحة وجدول زمني محدد، بالتوازي مع معالجة النقاط الخلافية الأكثر حساسية.

عقبات متعددة تؤخر ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا رغم التغييرات السياسية

لم يترجم التغيير السياسي الذي شهدته دمشق مؤخراً إلى انطلاقة فعلية لعملية ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، على الرغم من أن الفرصة السياسية الجديدة كانت متاحة لإعادة تنظيم العلاقات بين البلدين على أساس مختلف، بعيداً عن إرث الخلافات والوصاية السابقة.

رغم أن إزالة العوائق السياسية السابقة قد تبدو مشجعة، فإنها لا تعني تلقائياً أن ملف الحدود أصبح أولوية عاجلة لدى الطرفين. تواجه السلطات السورية الجديدة استحقاقات داخلية وأمنية واقتصادية عديدة تحتل الصدارة في اهتماماتها الحالية، مما يؤخر إعطاء الأولوية لحسم قضية الحدود مع لبنان.

وبينما تؤكد الحكومة اللبنانية على ضرورة ضبط الحدود وتثبيت السيادة، لا تبدو دمشق مستعجلة للانتقال بهذا الملف إلى مرحلة الحسم النهائي. يعود ذلك جزئياً إلى أن الحكومة السورية الجديدة منشغلة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت الاستقرار الأمني ومعالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للسنوات السابقة، بالإضافة إلى إدارة ملفات حساسة في مناطق متعددة.

يشار إلى أن جدول الأعمال المشترك بين البلدين يتضمن ملفات أكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، منها معالجة أزمة النازحين السوريين وتسهيل عودتهم، وتنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتنظيم النقل البري، ومعالجة الملفات القضائية والأمنية المعلقة. هذه القضايا تفرض حضورها على الاتصالات الثنائية وتدفع ملف الترسيم إلى مراتب لاحقة، من دون أن يشير ذلك إلى قرار نهائي برفضه أو تعطيله.

وأظهرت الاجتماعات الثنائية التي جرت مؤخراً استعداداً لتعزيز التنسيق في إدارة المعابر وتبادل المعلومات ومكافحة التهريب. غير أن هذا التعاون لا يعوض عن غياب مسار واضح وحقيقي لترسيم الحدود، ولا يجيب عن السؤال المتعلق بموعد الانتقال من التنسيق الأمني إلى تثبيت الحدود بشكل نهائي.

إلى جانب الأولويات السياسية، يواجه الترسيم تعقيدات جغرافية وتاريخية معقدة لا يمكن حسمها بقرار إداري وحده. تحتاج مناطق معينة إلى مراجعة شاملة للخرائط والوثائق والملكيات، بينما تبرز مزارع شبعا كعقدة حساسة للغاية، حيث تتجاوز الخلاف الثنائي إلى نزاع أوسع يتصل بالاحتلال الإسرائيلي للجولان والأراضي المحيطة به.

تحديد هوية مزارع شبعا وترسيم الحدود في تلك المنطقة يرتبطان بقضايا السيادة والاحتلال، وبالموقف الذي ستعتمده الدول المعنية إزاء الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا والأراضي التي تسيطر عليها قوات أجنبية. لذلك، فإن معالجة هذا الجانب لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع.

لا تقتصر الإشكاليات على المناطق الجنوبية، إذ إن أجزاء من الحدود الشمالية والشرقية تحتاج بدورها إلى معالجة تقنية وتوافق رسمي، بسبب تداخل بعض المناطق والملكيات ووجود مسارات تقليدية لحركة السكان والبضائع. يمكن الاستعانة بالخرائط والوثائق التاريخية لتسهيل العمل الفني، لكن هذه الأدوات لا تغني عن القرار السياسي اللازم لاعتماد النتائج وتثبيتها رسمياً.

في النهاية، لا يبدو أن الترسيم متوقف على عائق واحد، بل على تداخل متعدد الأبعاد يشمل الأولويات السورية الحالية والملفات الثنائية العاجلة والتعقيدات التقنية والإقليمية. وإذا كانت الظروف السياسية الجديدة قد فتحت نافذة حقيقية لمعالجة هذا الإرث، فإن تحويل الفرصة إلى إنجاز عملي يتطلب قراراً مشتركاً بإطلاق لجنة فنية ذات صلاحيات واضحة وجدول زمني محدد، بالتوازي مع معالجة النقاط الخلافية الأكثر حساسية.