قضية متفجرات ضهر البيدر تشعل خلافاً حكومياً حول السلطة والسلاح
مع إصدار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم ادعاءاته في حق 14 متهماً من حزب الله في قضية متفجرات ضهر البيدر، بجرم الاعتداء على أمن الدولة ومخالفة قرارات الحكومة وحيازة أسلحة ومتفجرات، تمددت ارتدادات هذا الملف عن مسارها القضائي لتطاول المشهد الحكومي، في ظل التهديدات التي أطلقتها قيادات وكوادر في الحزب ضد السلطة عموماً والحكومة خصوصاً، بلغت حد إعلان نائب في الحزب رفضه تسليم المتهمين، ما حوّل القضية إلى محطة جديدة في المواجهة المفتوحة بين الدولة والحزب حول من يملك القرار الأمني والعسكري في البلاد، وما إذا كانت السلطة مستعدة للانتقال من القرارات السياسية إلى تطبيقها فعلياً، ولو اصطدمت بذلك مع الحزب. علماً ان السؤال المحوري الذي سيحدد مصير هذه المواجهة له بعدان، الأول ما إذا كان الملف سيبقى في يد القضاء العسكري أو سيحوّل، كما يطالب وزير العدل ووزراء القوات اللبنانية، إلى المجلس العدلي. والثاني، ما إذا كان الحزب سيسلم المتهمينأو سيلجأ إلى التصعيد.تؤكد مصادر سياسية مطلعة لـالنهار أن المواجهة الحاصلة اليوم لن تتجاوز سقف التصعيد السياسي والكلامي، ولن تتحول إلى مسار عملاني يهدد الأمن والاستقرار في البلاد. وتعتبر أن الحل يكمن في استكمال المسار القضائي الذي سلك طريقه وأحيلت محاضر التحقيقات إلى قاضي التحقيق العسكري الأول لإصدار المذكرات القضائية اللازمة والتوسع في استجواب المتهمين، معتبرة أن ادعاء القاضي غانم شكلالتطور الأبرز، بعدما اعتبرت بعض الأوساط السياسية المعارضة أن عدم تحويل الملف إلى القضاء العدلي وإبقاءه في يد المحكمة العسكرية، مع ما تمثله من نفوذ في يد الحزب، يعكس تمييعاً أو احتواءً للقضية. لكن الواقع اختلف بعد قرار غانم. إذ تكمن أهميته في أنه يضع للمرة الأولى مسؤوليات مرتبطة بشحنة تعود ملكيتها، وفق ما أقر به حزب الله، إلى الحزب نفسه، أمام القضاء، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة الناقلين أو حاملي الشحنة. ورغم أن الحزب يقول إن المتفجرات مخصصة لمواجهة إسرائيل، تعتبر السلطة أن نقلها وتخزينها خارج المؤسسات الشرعية يشكلان تهديداً للأمن الداخلي وخرقاً لقرارات الحكومة بحظر النشاط العسكري والأمني للحزب.ولأن المواجهة الحقيقية تتجاوز مضمون الادعاء إلى الجهة القضائية التي ستتولى الملف، تقول المصادر إنه لم يعد من المهم الوقوف عند الجهة القضائية بل معرفة مصير الملف. وتستشهد هنا بمقارنتين: الأولى ملف الوزير السابق ميشال سماحة الذي حوكم في المحكمة العسكرية، وقضى محكوميته، فيما ملف تفجير المرفأ الموجود لدى المجلس العدلي لم يصل إلى نتيجة، وأطلق سراح المتهمين، ما يشي بأنه بوجود القرار السياسي، يمكن الوصول إلى الحكم والتوقيف، أو لفلفة القضية. وفي هذه الحالة، تؤكد المصادر أن القضية لن تلفلف، وأن المتهمين سيلاحقون، لكن السؤال: هل تنجح الأجهزة الأمنية بتوقيفهم، أم أن هذا هو المخرج لطي الملف؟وسلوك الملف طريق المحكمة العسكرية، بعد تأجيل مجلس الوزراء حسم مسألة إحالته إلى المجلس العدلي، وعدم إعادة طرحه، بسبب الخلاف الحاد بين من يريد توسيع المساءلة لتشمل البعد السياسي والأمني للقضية، ومن يفضل ترك التحقيق يأخذ مساره القضائي من دون فتح مواجهة حكومية مباشرة مع الحزب، يشي بأن محاولة احتواء الانفجار التي قام بها رئيس المجلس نبيه بري مع رئيس الجمهورية وسار فيها رئيس الحكومة لم تنته صلاحيتها، وأن البلاد ستكون أمام جولة جديدة من المواجهة بين السلطة وحزب الله. وقد عكس هذا المناخ كلام النائب حسين الحاج حسن الذي وصف الادعاء بأنه استهداف سياسي، في موقف يعكس رفض الحزب تحويل القضية إلى مدخل لملاحقته سياسياً.والواقع أنه لا يمكن فصل القضية عن قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب خارج إطار الدولة، وعن التزامها حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية. كما لا يمكن فصلها عن الضغط الخارجي. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أبلغ رئيس الجمهورية ضرورة محاسبة جميع الجهات التي أمرت بشحنة المتفجرات أو موّلتها أو وجّهتها، واستبعاد إعادتها إلى الحزب. والسؤال: هل ستستمر واشنطن في ضغطها، ما يمكن أن يؤجّج المواجهة؟تكشف المصادر أن المحرّكات عادت إلى العمل للتوصل إلى احتواء تفجر الخلاف مجدداً عبر ترك القضاء العسكري يستكمل عمله، بما يسمح للسلطة التأكيد أنها لم تتراجع عن الملاحقة، وللحزب بتجنب تصعيد مباشر. ويستند هذا المخرج إلى أن الادعاء ليس حكماً بالإدانة، ولا يعني أن المسؤولية النهائية قد حُسمت. بل لا يزال هناك سلسلة تبدأ من القرار والتمويل وصولاً إلى التوجيه،وعدم حصر المسألة بالأشخاص الذين تولّوا نقل الشحنة.لكن هذا المخرج لن يمنع استمرار التصعيد من الفريق المعارض من خلال دفع وزير العدل والقوى المطالبة بالمجلس العدلي إلى الإصرار على هذا المطلب. ما سيؤدي إلى تحويل الملف إلى اختبار فعلي لقرار حصرية السلاح، ويستكمل المواجهة الأوسع حول دور الحزب الأمني والعسكري.
أضاء إصدار ادعاءات قضائية ضد 14 متهماً من حزب الله في قضية متفجرات ضهر البيدر الضوء على انقسام عميق بين أجهزة الدولة والحزب حول من يملك القرار الأمني والعسكري، وهو ما تجاوز نطاق الملاحقة القضائية الصرفة ليصبح اختباراً حقيقياً لسيطرة الدولة على مؤسساتها الشرعية.
يتهم الادعاء المتهمين بالاعتداء على أمن الدولة ومخالفة قرارات حكومية وحيازة أسلحة ومتفجرات، لكن جوهر الصراع يكمن في مسألة أعمق تتعلق بحق الدول الحصري في امتلاك السلاح والقرار العسكري. وترى السلطة أن نقل وتخزين المتفجرات خارج المؤسسات الرسمية يشكل تهديداً للأمن الداخلي وانتهاكاً لقرارات حكومية سابقة بحظر الأنشطة العسكرية للحزب خارج إطار الدولة، بينما يؤكد الحزب أن هذه المتفجرات مخصصة لمواجهة تهديدات خارجية.
يمثل قرار إصدار الادعاءات تطوراً نوعياً في هذا الملف، إذ يضع للمرة الأولى مسؤوليات مباشرة أمام القضاء ترتبط بشحنة تعود ملكيتها إلى الحزب نفسه، بدلاً من اقتصار الملاحقة على الناقلين أو المنفذين. ورفضت قيادات في الحزب تسليم المتهمين واصفة الادعاء باستهداف سياسي، ما حول القضية إلى محطة إضافية في الخلاف المفتوح بين الدولة والحزب.
يشير المراقبون إلى أن الملف يثير تساؤلات أساسية حول قدرة الدولة على تطبيق قراراتها فعلياً حتى لو اصطدمت بأطراف قوية، وما إذا كانت لديها الإرادة السياسية لتحويل القرارات النصية إلى واقع عملي. ويشكل الخلاف على الجهة القضائية ـ بين من يطالب بنقل القضية إلى المجلس العدلي وبين من يفضل إبقاءها في المحكمة العسكرية ـ جزءاً من هذا الصراع الأوسع.
تؤكد مصادر سياسية أن المواجهة الحالية محصورة حتى الآن في التصعيد السياسي والكلامي، وأن التوقعات تشير إلى استمرار المسار القضائي دون الانزلاق نحو مواجهة عملية مباشرة تهدد الاستقرار. لكن هذا السيناريو يبقى رهيناً بقرار الحزب حول تسليم المتهمين وقدرة الأجهزة الأمنية على توقيفهم، وهي أسئلة لم تجد إجابات واضحة بعد.
يعكس تأجيل حكومي لحسم مسألة نقل الملف إلى المجلس العدلي محاولة لاحتواء الانفجار وتجنب مواجهة مباشرة، إلا أن استمرار الضغط من أطراف معارضة لتحويل القضية يرجح استكمال التصعيد. وبهذا المعنى، تتحول هذه القضية إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض قراراتها بشأن حصرية السلاح والقرار العسكري، وستحدد نتائجها الفصول القادمة من الصراع على دور الحزب الأمني والعسكري في البلاد.