التصنيفات الجامعيّة: عندما يصبح القياس غاية في حدّ ذاته
الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّأثار انسحاب الجامعة الأميركيّة في بيروت في أيلول 2025، ثمّ جامعة القدّيس يوسف في بيروت في نيسان 2026، من تصنيف تايمز للتعليم العالي (Times Higher Education – THE)، تساؤلات أساسيّة بشأن معايير التصنيفات الجامعيّة الدوليّة، وما تنطوي عليه من إشكاليّات وتناقضات. فقد أعادت المخاوف المتعلّقة بإمكانيّة التلاعب بالبيانات الببليومتريّة، وتوجيه النشر العلميّ بما يخدم تحسين مؤشّرات أداء الجامعات، واللجوء إلى الاستشهادات التبادليّة بين الأبحاث، فتح النقاش حول موثوقيّة هذه التصنيفات، ومدى قدرتها على التعبير، بصورة علميّة وموضوعيّة، عن الجودة الأكاديميّة الفعليّة.وتكمن المشكلة الأساسيّة في خطر تحوّل المؤشّرات التي وُضعت لتقييم الأداء الجامعيّ إلى أهداف بحدّ ذاتها، بحيث تنصرف الجامعات إلى توظيف قدراتها الفكريّة والمادّيّة في سبيل تحسين نتائجها في التصنيفات، ولو أتى ذلك أحيانًا على حساب أصالة البحث العلميّ وصرامته ونزاهته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مكانة التصنيفات الدوليّة ودورها في تقييم الجامعات، ولا سيّما في ضوء الرسالة الجامعيّة المتمثّلة في إنتاج المعرفة ونقلها، وتكوين الطلّاب تكوينًا علميًّا وإنسانيًّا متكاملًا، والمساهمة في تطوير المجتمع وخدمة خيره العامّ.فازدياد عدد المنشورات العلميّة وارتفاع عدد الاستشهادات بها لا يكفيان، في حدّ ذاتهما، ليدلّا على أصالة الأبحاث أو إسهامها الفعليّ في تطوير المعرفة. فالمؤشّر الذي يُستخدم لقياس ظاهرة معيّنة قد يفقد وظيفته الأصليّة عندما يصبح هدفًا مباشرًا تسعى المؤسّسة إلى بلوغه. وبدلًا من أن يعكس المؤشّر جودة الأداء، قد تنصرف جهود المؤسّسة إلى تحسين أرقامها، لا إلى تعزيز القيمة العلميّة لأعمالها البحثيّة. لذا، لا تكمن المشكلة في القياس الكمّيّ بحدّ ذاته، بل في اختزال الجودة الأكاديميّة في مؤشّرات محدّدة، وفي الحوافز التي قد تدفع إلى تحسين هذه المؤشّرات على حساب الغايات التي وُضعت لقياسها.غير أنّ الأمر لا يقتصر على البُعد التقنيّ والمنهجيّ، بل يتعدّاه إلى البُعد الأخلاقيّ. فكيف يمكن تقييم الأداء الجامعيّ بطريقة تجمع بين المعايير القابلة للقياس واحترام مقتضيات الأمانة العلميّة والصرامة المنهجيّة، مع مراعاة القيمة المعرفيّة للأبحاث وأهمّيّتها العلميّة والاجتماعيّة؟ وكيف يمكن الحؤول دون تحوّل النتائج الإحصائيّة بديلًا من التقييم الأكاديميّ الرصين؟ إنّ الإجابة عن هذَين السؤالَين تقتضي معايير واضحة ومنهجيّات شفّافة، فضلًا عن آليّات فعّالة للتحقّق من صحّة البيانات ومساءلة الجهات التي قد تتلاعب بها.وتكتسب هذه المسألة أهمّيّة خاصّة في لبنان، حيث تحظى شهادات العديد من الجامعات باعتراف دوليّ، ويتمكّن خرّيجوها من متابعة دراساتهم أو مساراتهم المهنيّة في الداخل والخارج. ومن ثمّ، فإنّ النزاهة الأكاديميّة ليست مسألة تقنيّة أو إداريّة فحسب، بل هي مسألة تمسّ الثقة بالتعليم العالي وبالشهادات التي يمنحها. غير أنّ ضمان هذه الثقة لا يتحقّق بالاعتماد على التصنيفات وحدها، بل يقتضي أيضًا تقييمًا شاملًا لجودة التعليم والبحث، ولمدى إسهام الجامعات في تنمية المجتمع. فالجامعة تضطلع بمهامّ متعدّدة ومتكاملة، تشمل نقل المعرفة وإنتاجها، وتنمية الفكر النقديّ والكفاءات المهنيّة، والإسهام في معالجة التحدّيات الاجتماعيّة والوطنيّة. ولا تعكس التصنيفات الشائعة هذه الأبعاد جميعها بالقدر نفسه.ومن جهة أخرى، فإنّ اختيار المؤشّرات المعتمدة وتحديد الأوزان النسبيّة لكلّ منها ليسا عمليّتَين موضوعيّتَين تمامًا؛ إذ يعكسان تصوّرًا معيّنًا لما يُعدّ تميّزًا جامعيًّا. فعندما تُمنح المنشورات العلميّة والاستشهادات بها وزنًا يفوق بكثير وزن جودة التعليم أو قيمة الأبحاث الفعليّة، يُعطى نموذج معيّن للتميّز الجامعيّ أفضليّة على نماذج أخرى. وهذا يطرح أسئلة بشأن الخيارات القيميّة والتربويّة التي تقوم عليها التصنيفات، ومدى ملاءمة معاييرها لتنوّع رسالات الجامعات وأولويّاتها.وتزداد أهمّيّة هذا النقاش بالنسبة إلى الجامعات اللبنانيّة، نظرًا إلى اختلاف رسالاتها وإمكاناتها وأطر عملها الاجتماعيّة عن تلك السائدة في كثير من المؤسّسات الجامعيّة الأجنبيّة. فالتفاوت في الموارد والأولويّات الوطنيّة والظروف الاجتماعيّة يؤثّر في طبيعة العمل الجامعيّ، وفي طرائق إسهامه في إنتاج المعرفة ونقلها وخدمة المجتمع. لذلك، لا ينبغي أن تقوم المقارنة بين الجامعات على نموذج واحد يُفرض عليها جميعًا، بل على معايير أكاديميّة مشتركة تضمن الجودة والنزاهة، مع مراعاة تنوّع رسالات المؤسّسات والظروف التي تعمل فيها. فاحترام هذا التنوّع لا يعني التخلّي عن المعايير الأكاديميّة، بل السعي إلى اعتماد مؤشّرات أكثر توازنًا وإنصافًا.وتجدر الإشارة إلى أنّ أثر التصنيفات الدوليّة لا يقتصر على الجامعات نفسها، بل يشمل الطلّاب واختياراتهم التعليميّة والمهنيّة. ففي بلد مثل لبنان، يطمح كثير من الطلّاب إلى متابعة دراساتهم في الخارج أو إلى تعزيز فرص حصولهم على وظائف جيّدة في الداخل والخارج، فتكتسب سمعة الجامعة وتصنيفها أهمّيّة واضحة عند اتّخاذ القرار. غير أنّ هذَين العاملَين لا يكفيان وحدهما لاختيار الجامعة المناسبة؛ فالموقع المتقدّم في التصنيف لا يضمن بالضرورة جودة جميع البرامج التي تقدّمها المؤسّسة، ولا كفاءة المواكبة التربويّة التي يحظى بها الطلّاب، ولا مدى ملاءمة التكوين لميولهم وقدراتهم وتطلّعاتهم. وقد تتفاوت جودة البرامج داخل الجامعة الواحدة تبعًا للاختصاصات والموارد المتاحة وأساليب التدريس.وعندما يصبح ترتيب الجامعة المعيار الحاسم في اختيار الطلّاب، يبرز خطر الخلط بين متانة التكوين الأكاديميّ والموقع الذي تشغله المؤسّسة في التصنيف، أو بين قيمة الشهادة العلميّة والوجاهة الاجتماعيّة التي قد تكتسبها بفضل سمعة الجامعة. وقد يؤدّي ذلك إلى النظر إلى الجامعة بوصفها وسيلة للتمايز الاجتماعيّ، بدلًا من أن تكون فضاءً للنضج الفكريّ، وبناء الشخصيّة، واكتساب المعرفة وال
أثارت قرارات انسحاب جامعتَي بيروت الأميركية والقديس يوسف من تصنيفات التعليم العالي الدولية نقاشاً معمقاً حول الآليات المستخدمة لتقييم الأداء الجامعي، وما تنطوي عليه من تناقضات وإشكاليات جوهرية قد تؤثر على سلامة البحث العلمي ونزاهته.
تكمن المشكلة الأساسية في خطر تحول المؤشرات الكمية المعتمدة للقياس إلى أهداف بحد ذاتها، حيث تنصرف الجامعات إلى توظيف قدراتها الفكرية والمادية لتحسين ترتيبها في التصنيفات، ولو أتى ذلك على حساب أصالة البحث العلمي وسلامته. تظهر المخاوف المتعلقة بالتلاعب المحتمل بالبيانات العلمية، والتوجيه المنحاز للنشر العلمي، والاستشهادات التبادلية بين الأبحاث، وجميعها تطرح علامات استفهام حول موثوقية هذه التصنيفات في التعبير الموضوعي عن الجودة الأكاديمية الفعلية.
لا يكفي ارتفاع عدد المنشورات العلمية والاستشهادات بها دليلاً على أصالة الأبحاث أو إسهامها الحقيقي في تطور المعرفة. الخطر الحقيقي يكمن في اختزال مفهوم الجودة الأكاديمية في مؤشرات محدودة، مما قد يحفز المؤسسات على تحسين أرقامها بدلاً من تعزيز القيمة العلمية الفعلية لأعمالها. ليست المشكلة في القياس الكمي نفسه، بل في الحوافز التي قد تدفع لتحسين المؤشرات على حساب الأهداف الأصلية التي وضعت لقياسها.
يتجاوز النقاش البعد التقني إلى البعد الأخلاقي الأساسي: كيف يمكن تقييم الأداء الجامعي بطريقة توازن بين المعايير القابلة للقياس واحترام الأمانة العلمية والصرامة المنهجية؟ وكيف يمكن تجنب تحول الإحصائيات بديلاً عن التقييم الأكاديمي الحقيقي؟ الإجابة تتطلب معايير واضحة وآليات فعالة للتحقق من صحة البيانات ومساءلة الجهات المسؤولة.
تكتسب هذه القضايا أهمية خاصة في السياق اللبناني، حيث تتمتع شهادات العديد من الجامعات بالاعتراف الدولي، وينخرط خريجوها في مسارات تعليمية وعملية محلية وعالمية. النزاهة الأكاديمية ليست مسألة إدارية فحسب، بل هي مسألة أساسية تمس الثقة بالتعليم العالي والشهادات الممنوحة. غير أن ضمان هذه الثقة لا يتحقق بالاعتماد على التصنيفات وحدها، بل يقتضي تقييماً شاملاً لجودة التعليم والبحث ومدى إسهام الجامعات في تنمية المجتمع.
تضطلع الجامعة بمهام متعددة: نقل المعرفة وإنتاجها، تنمية الفكر النقدي، اكتساب الكفاءات المهنية، والإسهام في معالجة التحديات الاجتماعية والوطنية. لا تعكس التصنيفات الشائعة هذه الأبعاد جميعها بالقدر نفسه. اختيار المؤشرات وتحديد أوزانها النسبية ليسا عمليتين موضوعيتين تماماً؛ بل يعكسان تصوراً معيناً لما يعتبر تميزاً جامعياً. عندما تُمنح المنشورات والاستشهادات بها وزناً يفوق بكثير وزن جودة التعليم أو قيمة الأبحاث الفعلية، يُعطى نموذج معين للتميز أفضلية على نماذج أخرى.
يزداد أهمية هذا النقاش بالنسبة للجامعات اللبنانية، نظراً لاختلاف رسالاتها وإمكاناتها والظروف الاجتماعية لعملها عن تلك السائدة في كثير من المؤسسات الأجنبية. التفاوت في الموارد والأولويات الوطنية والظروف المحلية يؤثر على طبيعة العمل الجامعي. لا ينبغي أن تقوم المقارنة على نموذج واحد يُفرض على الجميع، بل على معايير أكاديمية مشتركة تضمن الجودة والنزاهة مع مراعاة تنوع الرسالات والظروف.
يطمح عدد كبير من الطلاب اللبنانيين إلى متابعة دراساتهم بالخارج أو تحسين فرص عملهم محلياً وعالمياً، لذا تكتسب سمعة الجامعة وتصنيفها أهمية واضحة. لكن هذين العاملين لا يكفيان؛ الترتيب المتقدم لا يضمن بالضرورة جودة جميع البرامج أو كفاءة المواكبة التربوية، ولا يعكس مدى ملاءمة التكوين لميول الطالبين وقدراتهم. قد تتفاوت الجودة داخل ال