لبنان في أتون الانهيار: واقع مرير وشعب مستسلم للقدر
ليليان خوريعندما يصبح الحزن لصيقاً، والألم رفيقاً، والأرق إدماناً، والتعب شريكاً، فاعلم أنك في عداد الموجوعين والمكلومين والمنهكين.مسار الحياة دربها وعر. على الرغم من جمال صورها ولحظات أفراحها، غير أنها عبور للأوجاع، موطىء للهلع والقلق والخوف من المجهول.وبين الخاص والعام، يخوض الإنسان معارك وجولات من اليأس والأمل، من النجاح والفشل، من الفرح والحزن. وكلها اختبارات قاسية على المرء، يصارعها تارةً بروح المنكسر، وطوراً بصلابة المنتصر في داخله.وبين كل جولة وجولة من المبارزة، تتكسر في داخله بعضٌ من قوة، عمل على تخزينها مع العمر رويداً رويداً.لكنه في مسار الطريق، تبدأ هذه القوة بالانحسار، ويبدأ معها بالتراجع، ليصاب في نهاية المطاف بالإنهاك، ويشعر باستلاب الروح منه واهتزاز لصمودٍ عمرّه مدماكاً فوق مدماك وبدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً.بين المعاناة العامة، التي تتمدد على مستوى الجماعة فالأوطان، نعاني كشعب من واقع مرير، ومن إهمال غير مسبوق، على مستوى سلطة تتبرأ من أي مسؤولية تجاه مواطن يرزح تحت ثقل في تأمين أدنى مقومات العيش.مواطن استسلم في نهاية المطاف إلى ربٍ يطلب منه العون والرأفة.لن نجادل في قرارات حكومية هشّة وغير مسؤولة، ولا في قرارات حكومية وهمية غير قابلة للتطبيق، ولا في سوء استراتيجية واضحة تنقذ لبنان من حربٍ التهمته منذ ثلاث سنوات.نريد أن نسأل فقط عن أدنى حقوق اللبناني، الذي يفتقر إلى الكهرباء والماء والطبابة والتعليم.كيف لهذا اللبناني الذي سُرق وهُجّر أن يستمر في حياةٍ لا تليق حتى بالحيوان؟!كيف لهذا اللبناني الذي سلبتموه كلّ شيء حتى كرامته، أن يصمد في ظل هذا القهر وهذا الإذلال الذي يمارس عليه في كل شيء؟!ناهيك بأمنٍ يهدد كل يوم حياته، من جراء زيادة منسوب الجريمة ومضاعفة حوادث السلب والسرقات.نعيش في أفول مسرحية تراجيدية لم تنتهِ فصولها بعد منذ ثورة ٢٠١٩، واكتملت سوداويتها مع فصلٍ من الحروب لم ينتهِ إلى الآن.المحزن أننا لا نملك قرار وقفها، ولا قرار استمرارها، ولا قوة الصمود في مواجهتها.نحن نعيش في بلد متروك من حكامه، وشعبه مصيره مرميٌ للقدر، وسلطته إرادتها مرهونة للخارج.نحن نعيش في ظل عبثية؛ عبثية اللاقرار، وعبثية اللاقوانين، وعبثية الحلول المرقعة، وعبثية القضاء الذي لا يحكم، وعبثية مجلس نواب لا يشرّع، وعبثية حكومة لا تتجانس، ودستور لا يُحترم، وسيادة منقوصة، وهيبة مفقودة، وعبثية إعلام يطبّل وأبواق لا ترتدع، وأقلام تشترى وحقيقة ضائعة.نحن نختبر الموت في كل يوم، ونختبر الذل في كل شيء ونعيش الخوف من كل الأشياء.نحن نعيش في وطن أبوابه مخلّعة، وحدوده مشرّعة للغريب من دون رقابة، وحكومة لم تعالج إلى الآن مشكلة اللاجئين السوريين التي تتفاقم يوماً بعد يوم.باختصار نحن نعيش في حارة كل مين إيدو إلو.
يعيش اللبناني اليوم واقعاً مأساوياً لا يطاق، حيث تكاثرت عليه الأحزان والآلام حتى باتت ملازمة له في كل خطواته. بين معاناة شخصية يخوضها كل فرد وأزمة عامة تطحن المجتمع بأكمله، يجد المواطن نفسه في حالة استنزاف مستمر، فاقداً للقوة والأمل تدريجياً.
تفتقر السلطة إلى أي مسؤولية حقيقية تجاه مواطنيها، حيث يرزح اللبناني تحت ثقل إفقار متعمد. الكهرباء غائبة، الماء ملوث، الخدمات الصحية منهارة، والتعليم مهمّش. لا يتلقى المواطن سوى وعود فارغة وقرارات حكومية هشّة غير قابلة للتطبيق، فيما تتنصل السلطة من مسؤوليتها الأساسية في توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة.
يضاف إلى هذا الانهيار المدني، تدهور الأمن الذي يهدد الحياة اليومية للمواطن. ارتفاع الجريمة وتكاثر حوادث السلب والسرقة جعلت الشارع ساحة خطرة. وفي الأعماق، تختنق البلاد تحت وطأة حرب لم تنته فصولها بعد منذ سنوات.
البلاد مرتهنة للخارج، والشعب مصيره مرميّ للقدر، والمؤسسات تعمل بعبثية كاملة. مجلس نواب لا يشرّع، قضاء لا يحكم، دستور لا يُحترم، وحكومة لا تتمتع بالتجانس أو الكفاءة. الإعلام ينحاز والحقيقة ضائعة وسط أبواق مأجورة.
يختبر اللبناني الموت والذل والخوف يومياً. يعيش في وطن أبوابه مخلوعة وحدوده مفتوحة للغريب، فيما تتفاقم قضايا اللجوء والهجرة دون حل حقيقي. الحياة فقدت كل معانيها، والكرامة سُلبت قبل كل شيء آخر.