شيف لبناني يحكي قصة المدردرة في معرض الشارقة للكتاب
اختار الشيف اللبناني جاد يوسف المدردرة ليقدّمها في معرض للكتاب. عدس وأرزّ، ومعهما الحامض والسماق. وقد تبدو المدردرة طبقاً متواضعاً لجلسة عنوانها بيروت على المائدة، لكنّ يوسف، الآتي من جنوب لبنان والمقيم في بريطانيا، أراد أن يُعرّف زوّار معرض الشارقة الدولي للكتاب إلىالأطباق التي تُحضّرها العائلات اللبنانية في بيوتها. فجاء بالمدردرة وبكتابه لبناني، الذي يحمل اسم مطعمه في بريطانيا.بعد الحمّص جاء دور الهندبةيقول يوسف لـالنهار إنّ الحرب كانت وراء سفره إلى لندن. وفي بريطانيا، تعرّف إلى ذائقة زبائنه من طلباتهم. الحمّص أحبّ الأطباق إليهم، لكنّ الهندبة، التي لم تكن معروفة على نطاق واسع بينهم، صارت مطلوبة. حتى الكبّة النيئة، التي كان بعضهم يتردّد في تذوّقها، وجدَت من يطلبها حين نشأت ثقة بالمطعم اللبناني الذي يقدّمها.وفي سيرة الهندبة على مائدة بريطانية شيء ممّا يحدث لكتاب حين يعبر إلى لغة أخرى. يصل أولاً إلى قارئ يعرف عنه القليل، ثم يكتسب مع الوقت مكاناً في عاداته. وقد يبدأ الزبون بطبق يعرف اسمه، كالحمّص، قبل أن يعود وفي باله طبق تعلّم اسمه في المطعم.بعد جائحة كورونا، لاحظ يوسف أنّ وصفات كثيرة باتت تصل إلى الناس عبر المقاطع المصوّرة. ويذكر، في معرض حديثه عن الوصفات التي تتداولها المنصّات، مثال الحمّص بالشوكولا. في كتابه، أراد أن يحفظ الأطباق اللبنانية كما تعلّمها. فجمع في لبناني 84 وصفة من مطبخ العائلة ومن مطعمه في مقاطعة سَري البريطانية، ودوّن معها خلطات التوابل وطرائق الإعداد التي انتقلت في أسرته بين الأجيال. ما تحفظه الرائحةوللسماق في طبق يوسف عمله الصغير في هذه الحكاية. يمكن للكتاب أن يدوّن مقداره وموعد إضافته، ويترك لمن سيطبخ الوصفة أن يتعرّف إلى حموضته وإلى ما يفعله بمذاق العدس والأرز. وقد يكون ذلك الطعم مألوفاً لزوّارٍ أكلوا المدردرة في بيوتهم، فيما يتعرّف إليه آخرون للمرّة الأولى في معرض للكتاب.وصفات تبدأ من الشارقةفي الدورة الخامسة والأربعين، المقامة حتى 15 تشرين الثاني-نوفمبر في مركز إكسبو الشارقة تحت شعار من صُنع الحكايات، يجمع ركن الطهي عشرة طهاة يقدّمون أكثر من عشرين عرضاً حيّاً. وإلى جانب بيروت على المائدة، تحمل الشيف الفلسطينية سلام دقاق وصفات العائلة إلى جلسة نكهات فلسطينية وحكايات عائلية، ويستعيد الشيف السوري محمد أورفلي صلته بمطبخ مدينته في جذور حلبية وآفاق جديدة، فيما يقدّم كزافيير برامبل جلسة قدر واحد ونكهات من العالم. وتكاد عناوين الجلسات تصلح فهرساً لكتاب عن الأمكنة التي يأخذها الطهاة معهم حين يسافرون. وفي القاعة السابعة، يتيح حي الطهي الإبداعي للأطفال واليافعين، من ثمانية إلى سبعة عشر عاماً، أن يجرّبوا بأنفسهم. يرتّب الأصغر سنّاً شرائح الفاكهة بين خبز الحليب والكريمة المخفوقة على الطريقة اليابانية، ويختبرون إضافات مختلفة إلى فطائر الغيوم الهشّة. ويجفّف الأكبر سنّاً شرائح التفاح والموز والإجاص، أو يحوّلون الفاكهة إلى لفائف ملوّنة. هكذا يمكن لوصفة عرفها طفل في المعرض أن تعود معه إلى البيت، ويصبح له رأي في ما يضيفه إليها حين يجرّبها مرّة ثانية.في رواية بروست، أعادت قطعة مادلين إلى الراوي بيتاً عرفه في طفولته. وفي معرض الشارقة للكتاب، قدّم جاد يوسف للزوّار طبقاً من البيوت اللبنانية. بعضهم يعرف طعم المدردرة منذ الصغر، وبعضهم تذوّقها هناك للمرّة الأولى. ولعلّ أحد هؤلاء، حين يتذوّقها من جديد، يتذكّر أنّ أوّل لقاء له بهذا الطبق كان في معرض للكتاب.
جلب الطاهي جاد يوسف القادم من جنوب لبنان والمقيم في لندن، معه أكثر من مجرد وصفة طبخ إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب. حمل معه قصة طبق تقليدي بسيط لكن عميق الجذور هو المدردرة، ليشاركها مع جمهور المعرض من خلال جلسة تحمل عنوان "بيروت على المائدة".
اختار يوسف هذا الطبق المتواضع المكون من العدس والأرز والحامض والسماق ليمثل الطعام العائلي اللبناني الذي ينقله من جيل إلى جيل. القرار جاء من رغبة عميقة في توثيق الوصفات الأصيلة كما تعلمها في عائلته، خاصة بعد أن لاحظ كيف بدأت الوصفات التقليدية تختلط بنسخ عصرية ومختلفة عبر منصات التواصل والفيديوهات المصورة.
يروي يوسف أن الحرب كانت السبب وراء هجرته إلى بريطانيا حيث افتتح مطعمه باسم "لبناني" في مقاطعة سري. اكتشف هناك أن الطعام وسيلة فعالة لتعريف الآخرين بثقافته. بدأ زبائنه بالحمّص، الطبق الأكثر شهرة، ثم تطورت أذواقهم تدريجياً ليطلبوا أطباقاً لم تكن معروفة لديهم مثل الهندبة وحتى الكبة النيئة.
جسّد يوسف هذه الرحلة في كتابه الذي يحمل نفس اسم مطعمه، حيث جمع 84 وصفة من المطبخ العائلي ومن تجربته في بريطانيا. دوّن كل وصفة مع خلطات التوابل والطرق التقليدية التي ورثتها عائلته عبر الأجيال.
يقف السماق في المدردرة رمزاً لشيء أعمق من مجرد نكهة. الكتاب يدوّن مقاديره وموعد إضافته، لكن من يطبخها سيكتشف بنفسه كيف يغير هذا المكون البسيط من طعم الطبق. بعض زوار المعرض ربما تذوقوا المدردرة في بيوتهم قبل قدومهم للشارقة، بينما يتعرف آخرون عليها للمرة الأولى في هذا المكان.
يندرج عرض يوسف ضمن "ركن الطهي" في الدورة الخمسين والأربعين من معرض الشارقة للكتاب، والذي يستمر حتى 15 نوفمبر في مركز إكسبو الشارقة تحت شعار "من صُنع الحكايات". يشارك في هذا الركن عشرة طهاة يقدمون أكثر من عشرين عرضاً حياً، يروي كل منهم قصة مختلفة عن الأطعمة والأماكن التي يحملونها معهم في رحلاتهم.
إلى جانب جلسة يوسف، تقدم الطاهية الفلسطينية سلام دقاق "نكهات فلسطينية وحكايات عائلية"، بينما يستعيد الطاهي السوري محمد أورفلي صلته بمطبخ حلب في جلسته، وينضم إليهم الطاهي كزافيير برامبل بعرض يجمع نكهات من أرجاء العالم. المعرض يتيح أيضاً فرصة للأطفال واليافعين بين 8 و17 عاماً لتجربة الطهي بأنفسهم في "حي الطهي الإبداعي" بالقاعة السابعة.
ما يحدث هنا يشبه السحر الذي وصفه الروائي بروست حين أعادت قطعة مادلين الراوي إلى طفولته. في معرض الشارقة، جاء جاد يوسف بطبق من بيوت لبنان. البعض يعرف طعمه من الصغر، والبعض الآخر يتذوقه هنا للمرة الأولى. وربما حين يعود أحدهم لتجربة المدردرة مستقبلاً، سيتذكر أن بدايته معها كانت في معرض للكتاب.