ايران في مخاضها ومخاض المنطقة... الإستعداد لتحديات المستقبل

بقلم الكاتب والباحث السياسي ربيع المصري

ايران في مخاضها ومخاض المنطقة... الإستعداد لتحديات المستقبل

على الرغم من استسهال الإستنتاج بأن خسارة ايران لرئيسها ابراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، لن تؤدي الى تغييرات كبيرة على الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وحصرها بجوانب داخلية، إلا أنه في ظل المتغيرات التي تعيشها المنطقة لا بد لإيران أن تتأثر. جاء سقوط الطائرة الإيرانية بالتزامن مع سلسلة من الأحداث والتطورات التي سيكون لها أثر لسنوات طويلة مستقبلة على الواقع السياسي في الإقليم، وربما وسط المساعي لإعادة انتاج نظام اقليمي جديد عنوانه "دمج اسرائيل" بالمنطقة، يبقى هذا هو العنوان الأميركي الواضح والذي عبر عنه وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن بكل شفافية.

 

 

 

قبيل سقوط طائرة رئيسي، كانت المفاوضات الأميركية الإيرانية قد تجدد بشكل مباشر على أكثر من خط، ولا سيما في سلطنة عمان، وسويسرا، ونيويورك. في الموازاة، كانت المفاوضات الأميركية السعودية تتقدم في مسار الوصول الى اتفاق تطبيع مع اسرائيل مقابل تحصيل السعودية لإتفاقات دفاعية وأمنية استراتيجية مع الولايات المتحدة بالإضافة الى التفاوض حول النووي السلمي، والإستثمارات الإقتصادية في مجالات متعددة، وصولاً الى وقف الحرب على غزة وإعلان خريطة طريق للدولة الفلسطينية في مقابل الوصول الى اتفاق اسرائيلي سعودي. وليس بعيداً، كانت الضغوط الدولية تتزايد على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيمين نتنياهو، أولاً في الداخل الإسرائيلي وخصوصاً المهلة التي وضعها عضو مجلس الحرب بني غانتس لنتنياهو حول ضرورة تغيير سلوكه ووضع آلية سياسية لوقف الحرب على غزة. وثانياً، في ظلال التنازع الأميركي الإسرائيلي على مسار الحرب في غزة، وإصرار الأميركيين على وقف إطلاق النار. وثالثاً قرار المحكمة الجنائية الدولية.

 

 

 

تسعى الولايات المتحدة الأميركية الى الموازنة بين الملفات الثلاث، ضمان أمن اسرائيل ووقف الحرب على غزة في آن. التفاهم مع السعودية على المسار المقترح والوصول الى اتفاقات. والتوصل مع ايران الى إعادة احياء الإتفاق النووي وتخفيض العقوبات مقابل تخفيف التوتر في المنطقة ووقف المواجهات التي يخوضها حلفاء طهران في لبنان واليمن. جاء سقوط طائرة رئيسي ليحول الإهتمامات الإيرانية على الواقع الداخلي بانتظار الإنتخابات في 28 حزيران وما ستفرزه من نتائج، ولكن تعيين علي باقري كني خلفاً لعبد اللهيان فهو تأكيد على حرص طهران الإستمرار في نفس المسار مع الأميركيين، خصوصاً أن كني هو الذي يقود المفاوضات في سلطنة عمان.

 

 

 

حتماً ستنشغل ايران بملفاتها الداخلية، وسط مخاوف من حصول اهتزازات في البنية السياسية استعداداً لاستحقاقات مقبلة، بالإضافة الى تحسب لحصول أي ارتدادات شعبية من خلال تجدد الإنتفاضة الإيرانية، لا سيما أن الإنتخابات السابقة كانت أقل استحقاق يشارك فيه الإيرانيون، كدليل على عدم تعبير المرشحين عن تطلعات الشعب الإيراني. في هذا السياق، لا بد من النظر الى الإنتخابات المقبلة وما ستفرزه وحجم مشاركة الناس، وسط محاولات لاعادة استحضار أطراف إصلاحية في الداخل إذ برز اسم علي لاريجاني. ولكن هناك تقديرات داخل ايران تشير الى وجود شريحة واسعة من الشعب الإيراني لم يعد لا الإصلاحيون ولا المحافظون يعبرون عن تطلعاتها.

 

 

 

يأتي هذا التحول الإيراني في ظل تحولات كبرى على مستوى المنطقة، وإيران لا يمكنها أن تكون بمعزل عنه أو أن تبقى على حالها، وإذا كان خامنئي حتى الآن يمسك هو بالقرار، ولكن مع غيابه مستقبلاً ستفقد ايران حكماً هذه الوضعية، في ظل بروز صراعات جديدة على من سيخلف المرشد، وهو سيؤدي الى اختلال في التوازن، وفي حال عدم الإتجاه نحو آليات تغييرية جدية حتماً الوضع سيكون قابلاً للإنفجار. حتى لو كان القرار الإستمرار في الحفاظ على التوازن القائم، ولكن السؤال يتركز حول كيفية القدرة على الموازنة ما بين إبقاء وقائع الداخل وتوازنات السلطة مع متطلبات الناس، وهذا سيكون تحدياً أكبر. في هذا السياق، لا يمكن لطهران أن تعزل نفسها عن التفكير في "نظام المصالح" وهو ما تعتمده بالذهاب الى التفاوض والتقارب مع الأميركيين. هنا يختار النظام في ايران اعتماد مبدأ التبدل البطيء، بدلاً من حصول تحول سريع وكبير يؤدي الى متغيرات إجتماعية وسياسية لا يمكن للنظام مواكبتها.