إلى المرشد الإيراني: الرسالة قُرِئت… والعالم تغيّر

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

إلى المرشد الإيراني: الرسالة قُرِئت… والعالم تغيّر

قد يبدو ما جرى في فنزويلا شأناً لاتينياً خالصاً، صراعاً تقليدياً بين واشنطن ونظام معادٍ لها في أقصى الغرب. لكن من يقرأ الحدث بهذه السطحية، يُخطئ العنوان ويُغفل الرسالة. فنزويلا لم تكن الهدف، بل الوسيط. أما العنوان الحقيقي، فهو الشرق الأوسط… وتحديداً إيران.

السياسة الأميركية لا تتحرّك اليوم بردّات فعل، بل بسلسلة إشارات محسوبة. وما جرى في كاراكاس ليس سوى إشارة عالية الوضوح تقول إن مفهوم «الخطوط الحمراء» تغيّر، وإن المسافة الجغرافية لم تعد عائقاً أمام الفعل المباشر. الدولة التي تُصنَّف خارج المدار الأميركي، تصبح ملفاً أمنياً لا كياناً سيادياً.

في العالم العربي، اعتدنا قراءة التهديدات الأميركية لإيران عبر العقوبات، البيانات، أو الاستعراضات البحرية. الجديد اليوم أن التهديد خرج من اللغة ودخل الفعل. لم تعد الرسالة: “سنضغط”، بل: “نستطيع

 الوصول

الربط المتعمّد بين فنزويلا ومحور روسيا–الصين–إيران ليس تفصيلاً سياسياً، بل بناء ذهني لعدو واحد متعدد الوجوه. هذا الربط يسمح لواشنطن بأن تتعامل مع هذه الدول بمنطق واحد: العزل، ثم الإضعاف، ثم الكسر عند الحاجة. كل دولة على حدة، لكن بالقاعدة نفسها.

بالنسبة لإيران، الرسالة أوضح مما يبدو.

إذا كان رئيس دولة في أميركا اللاتينية يمكن عزله وإخراجه من عاصمته بالقوة، فما الذي يمنع تكرار النموذج بأدوات مختلفة في الشرق الأوسط؟ الفارق ليس في المبدأ، بل في التوقيت والكلفة.

الأخطر أن الصمت هذه المرة ليس غربياً فقط، بل دولياً. لا موسكو تحرّكت، ولا بكين تجاوزت الاعتراض اللفظي. أما أوروبا، فبدت كمن يراقب نهاية مرحلة دون أن يملك القدرة على إنقاذها. هذا الصمت هو ما تقرأه واشنطن جيداً، وتبني عليه خطواتها التالية.

في الشرق الأوسط، السؤال لم يعد: هل ستقع مواجهة مع إيران؟

السؤال الأدق: كيف ستقع، وبأي شكل، وفي أي مسرح؟

قد لا تكون المواجهة عسكرية تقليدية، وقد لا تبدأ من طهران. ربما تبدأ من اقتصاد، أو من حليف، أو من ساحة رمادية يُعاد فيها رسم التوازنات بهدوء قاتل. لكن المؤكد أن النموذج الفنزويلي يقول شيئاً واحداً: الزمن لم يعد يعمل لصالح الدول المحاصَرة.

على العرب أن يدركوا أن الحياد لم يعد موقعاً آمناً. الاصطفافات تُفرض، لا تُختار. ومن يظن أن النار ستبقى خارج حدوده لأنه «غير معني»، ينسى أن الجغرافيا في السياسة الحديثة لم تعد خريطة، بل شبكة مصالح.

فنزويلا كانت رسالة اختبار.

والشرق الأوسط هو السطر التالي.

ومن لا يقرأ الرسائل الكبرى، سيقرأها لاحقاً…

لكن بلغته، وفي ساحته، وبثمن أعلى.