إيران لا تنقسم… إيران تُدير التناقض كسلاح”
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
ليس أدقّ من أن نصف ما يجري في إيران اليوم بأنه “انقسام”… وليس أضلّل من ذلك في الوقت نفسه.
ما يبدو للعين صراعاً بين تيارين واحد يريد التفاوض وآخر يرفضه هو في حقيقته مشهد أكثر دهاءً: نظام يتقن توزيع الأدوار، لا نظام يفقد السيطرة. في طهران، لا أحد يختلف على الهدف النهائي: البقاء. الخلاف الوحيد هو حول الإخراج… حول كيف يمكن للنظام أن يتنفس دون أن يعترف أنه يختنق.
الرواية السائدة في واشنطن وبعض العواصم تقول إن إيران “منقسمة على نفسها”، عاجزة عن اتخاذ قرار. هذه قراءة مريحة… لكنها ساذجة.
الواقع أن النخبة الحاكمة، بكل أطيافها، تدرك أن العقوبات تخنق الاقتصاد، وأن الاستمرار في المواجهة المفتوحة مكلف إلى حد الخطر. لا يوجد خلاف حقيقي على مبدأ التفاوض إذا كان سيخفف الضغط.
لكن هنا يبدأ التعقيد:
كيف تتفاوض دون أن تبدو مهزوماً؟
كيف تصافح العدو دون أن تسقط سردية “العداء” التي يقوم عليها النظام نفسه؟
المفارقة الصادمة أن أكثر الأصوات صخباً داخل إيران تيار “جليلي بايداري” لا يمثلون أغلبية، ولا حتى شريحة واسعة من الشعب. ومع ذلك، يمتلكون قدرة هائلة على تعطيل أي مسار.
لماذا؟
لأنهم لا يلعبون لعبة السياسة… بل لعبة الشرعية.
هؤلاء لا يحتاجون إلى الفوز بالانتخابات أو كسب الشارع. يكفيهم أن يرفعوا كلفة أي اتفاق، أن يلوّحوا بتهمة “الخيانة”، أن يحوّلوا التفاوض من خيار سياسي إلى امتحان عقائدي. في هذه اللحظة، يصبح كل من يجلس على طاولة الحوار مشبوهاً… حتى لو كان جنرالاً سابقاً في الحرس الثوري.
الهجوم على شخصيات مثل محمد باقر قاليباف يكشف جوهر الصراع. الرجل ليس إصلاحياً ولا ليبرالياً، بل أحد أبناء النظام الصلبين. ومع ذلك، لم تشفع له خلفيته حين اقترب من خيار التفاوض.
هذا يكشف الحقيقة العارية:
المشكلة ليست في من يتفاوض… بل في أن التفاوض نفسه يهدد توازن القوة داخل النظام.
نجاح أي نموذج “براغماتي متشدد” يعني نهاية احتكار التيار الأكثر تطرفاً لفكرة “النقاء الثوري”. وهنا تحديداً يكمن الخطر بالنسبة لهم.
إيران اليوم تمارس ما يمكن وصفه بـ”الازدواج الاستراتيجي”
في الخارج: تفتح قنوات، ترسل إشارات مرونة، تختبر فرص الاتفاق
في الداخل: ترفع سقف الخطاب، تهاجم التنازلات، تلوّح بالثوابت
هذه ليست فوضى… بل تكتيك.
تحسين شروط التفاوض عبر إظهار أن القيادة “مقيّدة داخلياً”
حماية شرعيتها الأيديولوجية عبر إبقاء خطاب العداء حيّاً
بمعنى آخر:
إيران تريد الاتفاق… لكن دون أن تعترف بأنها تريده.
الخطر الحقيقي: نجاح الدبلوماسية
المفارقة الكبرى أن أخطر سيناريو داخل طهران ليس فشل التفاوض، بل نجاحه.
إذا تم التوصل إلى اتفاق يخفف الضغط دون أن يهز بنية النظام، فإن ذلك سيعيد توزيع القوة داخلياً. سيصعد البراغماتيون، وسيتراجع خطاب “المقاومة المطلقة”. وهذا تحديداً ما يقاتل ضده التيار المتشدد.
لذلك، ما نراه ليس مجرد اعتراض… بل معركة وجود داخل النظام نفسه.
إيران ليست دولة تتخبط بين خيارين، بل نظام يتحرك بوعي داخل تناقضاته.
هي ليست منقسمة بالمعنى الكلاسيكي… بل موزعة الأدوار بذكاء قاسٍ.
النظام يتفاوض لأنه يحتاج إلى ذلك.
ويحارب التفاوض لأنه يحتاج إلى ذلك أيضاً.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل إيران منقسمة؟
بل:
هل العالم يفهم أنه يتفاوض مع نظام يتقن لعب دورين في الوقت نفسه؟