لبنان رهينة في لعبة الأمم: القرار في طهران… والحرب تُدار من واشنطن
بقلم الباحث وكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا يكون الخطر في الحروب نفسها، بل في سوء فهم طبيعتها. وهذا بالضبط ما يواجهه لبنان اليوم. الاعتقاد بأن الحرب الدائرة قابلة للإغلاق بتفاهم سريع بين واشنطن وطهران ليس مجرد قراءة متفائلة، بل خطأ استراتيجي عميق. ما يجري ليس حربًا تقليدية تسير نحو تسوية، بل نموذج جديد من الصراعات المفتوحة، حيث يتحول الزمن إلى أداة، والاستنزاف إلى سياسة، واللا حسم إلى هدف بحد ذاته. في هذا النموذج، لا أحد يسعى إلى إنهاء المواجهة بشكل نهائي، لأن كل طرف وجد في استمرارها ضمن سقوف مضبوطة وسيلة لتحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها في السلم ولا في الحرب الشاملة.
ضمن هذا المشهد، يتبدل موقع لبنان من طرف إلى أداة. لم يعد ساحة مواجهة فحسب، بل أصبح مساحة زمنية تُستخدم لإدارة التفاوض بين القوى الكبرى. إيران لا تقاتل في الجنوب لتنتصر فيه، بل لتمنع أي تسوية لبنانية منفصلة عن مسارها مع الولايات المتحدة. وواشنطن، رغم خطابها التصعيدي، لا تبدو مستعجلة على حسم كامل، بقدر ما تسعى إلى إدارة الضغط وتثمير نتائجه سياسيًا. أما إسرائيل، فتتحرك ضمن هامش دقيق بين الرغبة في تجنب الاستنزاف الطويل، وعدم القدرة على فرض حسم نظيف. وبين هذه الحسابات المتشابكة، ينزلق لبنان تدريجيًا إلى موقع أخطر بكثير من مجرد ساحة حرب: موقع “الرهينة الاستراتيجية”.
الأخطر في هذا التحول أنه يترافق مع تبدل عميق في طبيعة المواجهة نفسها. ما يجري في الجنوب لم يعد صراع جيوش، بل عودة واضحة إلى أنماط الحروب غير المتكافئة، حيث تتحول العمليات إلى ضربات متقطعة، وحرب مسيّرات، واستنزاف طويل الأمد. هذا النوع من الحروب لا يُحسم، بل يُدار، ولا ينتهي، بل يُعاد إنتاجه. ومع مرور الوقت، تصبح كلفته على الدول الهشة كلبنان وجودية، لا عسكرية فقط. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: لبنان ليس مهددًا بخسارة معركة، بل بخسارة قدرته على الخروج من المعركة.
في المقابل، ورغم كل مظاهر القوة، تعيش الولايات المتحدة مأزقًا مركبًا. فهي لا تستطيع الذهاب إلى مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج، ولا تستطيع القبول بتسوية لا تُظهرها في موقع المنتصر، خصوصًا في ظل الحسابات الداخلية والضغوط السياسية. هذا التناقض يخلق مساحة نادرة، لكنها ضيقة جدًا، يمكن للبنان أن يتحرك ضمنها إذا امتلك قرارًا سياديًا واضحًا. المشكلة أن هذه النافذة لا تبقى مفتوحة طويلًا، وأن التردد اللبناني هو العامل الأكثر مساهمة في إقفالها.
من هنا، لا يمكن اختزال الأزمة اللبنانية بخيارات سطحية من نوع الحرب أو التسوية، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الانتظار إلى حين نضوج التفاهمات الدولية. الانتظار في هذا السياق ليس حيادًا، بل انزلاق تدريجي نحو تثبيت موقع لبنان كورقة تفاوض دائمة. المطلوب اليوم ليس مواجهة مفتوحة مع أي طرف، ولا استسلامًا لمحاور الخارج، بل مقاربة ثالثة أكثر تعقيدًا: استعادة القرار الوطني بشكل تدريجي ومدروس، بحيث تتحول الدولة من متلقٍ للنتائج إلى صانع محدود ولكن فعّال لها.
هذه المقاربة تضع مسؤولية مباشرة على عاتق الرئيس جوزيف عون، ليس بوصفه طرفًا في توازنات داخلية، بل باعتباره آخر نقطة ارتكاز دستورية قادرة على إعادة تعريف موقع لبنان. التحدي لا يكمن في اتخاذ قرارات صدامية، بل في إعادة رسم قواعد الاشتباك السياسية: تثبيت مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم، إطلاق مسار تفاوضي يعكس المصلحة اللبنانية لا ارتباطاتها الخارجية، وبناء شبكة أمان عربية ودولية تمنع تحويل لبنان إلى منصة مفتوحة للصراعات. هذا المسار لا يحقق نتائج فورية، لكنه وحده القادر على كسر منطق “الرهينة” الذي يتكرس يومًا بعد يوم.
الرهان على أن التعب سيجبر الجميع على التراجع أثبت أنه رهان خاسر. الأنظمة تتكيف مع الضغوط، والدول الكبرى تدير الأزمات بدل حلها، والحروب الحديثة يمكن أن تستمر دون أفق زمني واضح. في ظل هذه المعادلة، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تنتهي الحرب، بل ما إذا كان لبنان قادرًا على الخروج منها كدولة، أو أنه سيتحول إلى حالة دائمة من التعليق بين الحرب والسلم
لبنان اليوم أمام لحظة قرار لا تتكرر كثيرًا في تاريخ الدول. إما أن يقبل بدوره كساحة تُستخدم لتصفية الحسابات، وإما أن يبدأ، ولو بخطوات بطيئة، باستعادة موقعه كدولة لها قرار. بين هذين الخيارين، لا يكمن الفارق في موازين القوى، بل في الإرادة السياسية. والتاريخ لا يرحم الدول التي تؤجل قراراتها المصيرية، لأن الآخرين يتخذونها عنها.
النتيجة واضحة لمن يريد أن يراها: لبنان لم يعد ساحة حرب فقط، بل أصبح جزءًا من هندسة صراع إقليمي طويل. والخروج من هذا الموقع لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار. القرار بأن لبنان ليس ورقة، وأن زمن استخدامه قد طال أكثر مما يحتمل.