بري وجنبلاط: أمراء الطوائف وصنّاع التسويات التي لا تنقذ لبنان
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لحظة يواجه فيها لبنان خطر الانهيار الكامل، تعود الوجوه السياسية نفسها لتتحدث عن “الاستقرار” و”السلم الأهلي”، وكأن المشكلة في الشعارات لا في الواقع. تصريحات نبيه بري ووليد جنبلاط الأخيرة تعكس هذا النهج بوضوح: خطاب هادئ، دعوات للتفاوض، وتمسك بالدولة… لكن دون الاقتراب من جوهر الأزمة.
المشكلة لم تعد في ما يُقال، بل في ما يُتجنب قوله. في وقت ترتفع فيه نبرة التصريحات التي تلوّح بفرض معادلات بالقوة، وبإمكانية قلب المشهد الداخلي، يغيب موقف حاسم وواضح من شخصيات يُفترض أنها تمثل أعمدة النظام السياسي. هذا الغياب لا يمكن اعتباره حيادًا، بل يُقرأ كجزء من معادلة قائمة على تجنّب المواجهة مهما كان الثمن.
بري، الذي اختصر المشهد بعبارة “أنا مطمئن”، يقدّم صورة استقرار لا يراها اللبنانيون في واقعهم اليومي. وجنبلاط، الذي يدعو إلى التفاوض ويدعم الدولة، يتجنب في الوقت نفسه رسم حدود واضحة لما يعنيه هذا الدعم عندما تتعرض قواعد الدولة للاهتزاز. بين الطمأنة والدعوة للتفاوض، تضيع الأسئلة الأساسية: من يحدد القرار؟ ومن يحتكر القوة؟ وأين تقف الدولة فعليًا؟
هذا النمط من الخطاب يعيد إنتاج المعادلة نفسها التي أوصلت لبنان إلى أزمته الحالية: إدارة التناقض بدل حلّه، وتدوير الزوايا بدل مواجهتها. الحديث عن “السلم الأهلي” يصبح، في هذه الحالة، غطاءً لتأجيل الانفجار، لا لمنعه.
الأخطر أن هذه التسويات غير المعلنة تقوم على التكيّف مع الواقع القائم، لا تغييره. أي قبول ضمني باستمرار اختلال التوازن داخل الدولة، مقابل الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن هذا النوع من الاستقرار هشّ، ومؤقت، وقابل للانهيار عند أول اختبار جدي.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التسويات التي تُبقي الأزمة حيّة، بل إلى وضوح سياسي يواجه الأسئلة الصعبة بدل الهروب منها. فالدولة لا يمكن أن تُبنى على التوازنات الضبابية، ولا على صمتٍ يتفادى القضايا الجوهرية.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس التصعيد بحد ذاته، بل التعايش معه. وليس الخلاف السياسي، بل غياب الموقف الواضح منه. وبين خطاب يدعو إلى الدولة، وواقع يبتعد عنها، يبقى لبنان عالقًا في دائرة مفرغة تُعيد إنتاج أزماته بشكل مستمر.
في النهاية، لا يكفي الحديث عن حماية لبنان، إذا لم تُطرح بوضوح معادلة واحدة: دولة واحدة، قرار واحد، وقانون واحد. وما دون ذلك، ليس حلًا… بل تأجيل لأزمة أكبر.