نبيه بري: الوساطة التي تُشرعن دولة داخل الدولة وتدفع لبنان إلى حافة الانفجار
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في قلب المشهد اللبناني المتشابك، يعود اسم نبيه بري ليتقدم الواجهة بوصفه “وسيطًا” في لحظة إقليمية دقيقة، لكن ما يُطرح على أنه وساطة يبدو في جوهره محاولة إعادة تموضع سياسي أكثر منه جهدًا حقيقيًا لإنتاج حل. فلبنان، الذي يرزح تحت ثقل أزماته المتراكمة، لا يعاني من نقص في الوسطاء بقدر ما يعاني من غياب الدولة كمرجعية نهائية وحيدة للقرار. هنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة: حين تتحول الوساطة إلى أداة لإعادة ترتيب موازين القوى بدل أن تكون مدخلًا لإنهاء الاختلال القائم.
إن تقديم قنوات تواصل مع حزب الله كجزء من مسار “تهدئة” لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإضفاء طابع سياسي طبيعي على واقع غير طبيعي أساسًا. فالمشكلة في لبنان لم تكن يومًا في غياب الحوار، بل في طبيعة الأطراف التي يُراد إدخالها إلى طاولة التفاوض خارج إطار الدولة. وعندما يصبح السلاح خارج المؤسسات أمرًا قابلًا للنقاش بدل أن يكون موضع حسم، فإننا لا نقترب من الحل، بل نغرق أكثر في إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة.
في هذا السياق، يبرز دور بري كأكثر من مجرد حلقة وصل. هو يتحرك في مساحة رمادية بين الداخل والخارج، مستفيدًا من علاقاته وقدرته على إدارة التوازنات، لكن هذه القدرة نفسها تطرح تساؤلات جوهرية: هل الهدف فعلاً تثبيت الاستقرار، أم الحفاظ على معادلة قائمة تضمن استمرار النفوذ؟ فالتاريخ القريب يُظهر أن كل تسوية لا تعالج أصل المشكلة—أي ازدواجية السلطة تتحول سريعًا إلى هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا جديدًا.
أما الرهان على أدوار إقليمية، وخصوصًا من بوابة القاهرة، فيبدو كأنه محاولة لإضفاء شرعية أوسع على هذا المسار. غير أن أي انخراط خارجي لا ينطلق من دعم واضح وصريح للدولة اللبنانية وحدها، سيجد نفسه، ولو من دون قصد، شريكًا في تثبيت واقع الانقسام بدل معالجته. فلبنان لا يحتاج إلى إدارة توازنات هشة بقدر ما يحتاج إلى استعادة مركزية القرار، وهي مسألة لا يمكن تجزئتها أو الالتفاف عليها تحت أي عنوان دبلوماسي.
الطرح القائم اليوم، والذي يُسوَّق له على أنه واقعي وضروري لتفادي التصعيد، يحمل في طياته مخاطرة أكبر مما يبدو. لأنه يؤسس لمعادلة خطيرة: تهدئة مقابل اعتراف ضمني بالأمر الواقع. وهذه المعادلة، مهما بدت مغرية في المدى القصير، لا تنتج استقرارًا حقيقيًا، بل تؤجل الانفجار وتمنحه شروطًا أكثر تعقيدًا في المستقبل.
في النهاية، لا يمكن قراءة تحركات بري بمعزل عن هذا السياق العام، حيث تختلط الوساطة بإعادة التموضع، ويُعاد تدوير الأدوار تحت ضغط التحولات الإقليمية. لكن الحقيقة التي يصعب تجاوزها تبقى واحدة: لا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح في لبنان إذا لم ينطلق من قاعدة واضحة لا لبس فيها أن الدولة وحدها هي صاحبة القرار، وأن أي محاولة للالتفاف على هذه القاعدة، مهما بدت ذكية أو براغماتية، ليست سوى تأجيل لأزمة أكبر.