حين فضح إعلام حزب الله ما حاول الحزب إخفاءه: اعتراف بين السطور بأزمة المشروع الإيراني

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين فضح إعلام حزب الله ما حاول الحزب إخفاءه: اعتراف بين السطور بأزمة المشروع الإيراني

هناك لحظات في السياسة تصبح فيها الكلمات أخطر من الوقائع. لحظات لا تكشف فيها التصريحات الرسمية الحقيقة، بل تكشفها محاولات إخفائها. وهذا بالضبط ما حدث في المقال الأخير الصادر عن أحد أبرز كتّاب إعلام حزب الله.

للوهلة الأولى، يبدو النص دعوة إلى الاستعداد لمواجهة جديدة مع إسرائيل. لكن القراءة العميقة تكشف شيئاً مختلفاً تماماً: إنه ليس إعلان قوة بقدر ما هو اعتراف بالقلق. وليس حديث المنتصر الواثق بقدر ما هو خطاب مشروع يشعر بأن الأرض تتحرك من تحته.

المفارقة أن المقال الذي أراد إثبات أن الحرب لم تنتهِ، انتهى إلى إثبات أن مشروع "المقاومة الإقليمية" نفسه دخل مرحلة الدفاع عن النفس. فحين يضطر الكاتب إلى شرح أسباب عدم اندلاع الحرب، وإلى تبرير مواقف إيران، وإلى طمأنة الجمهور بأن المحور ما زال متماسكاً، فإن السؤال يصبح مشروعاً: لماذا يحتاج المنتصر إلى كل هذا الشرح؟

الحقيقة التي تظهر بين السطور صادمة. فبعد عقود من الشعارات الكبرى، لم يعد النقاش يدور حول تحرير الأرض أو بناء الدولة أو حماية الاقتصاد، بل حول كيفية الحفاظ على النفوذ ومنع تراجع المشروع. وهذا بحد ذاته تحوّل تاريخي.

في المقال، لا يظهر لبنان كدولة مستقلة، بل كساحة متقدمة في صراع تقوده إيران. الحرب والسلم، التصعيد والتهدئة، كلها مرتبطة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. وكأن اللبنانيين مجرد متفرجين على قرارات تُصنع خارج وطنهم ثم يُطلب منهم دفع أثمانها.

وهنا تكمن المعضلة التي يحاول الخطاب الهروب منها. فبعد سنوات طويلة من الصراعات، ماذا كانت النتيجة؟ دولة منهكة، اقتصاد منهار، شباب يهاجرون، ومؤسسات تكافح للبقاء. أما المشروع الذي وعد بتغيير وجه المنطقة، فيبدو اليوم منشغلاً بالدفاع عن مواقعه أكثر من انشغاله برسم مستقبل جديد.

الأخطر من ذلك أن المقال يكشف خوفاً واضحاً من التحولات الجارية في المنطقة. الخوف من التسويات، والخوف من تبدل موازين القوى، والخوف من صعود أدوار إقليمية جديدة، والخوف من أن يصبح لبنان جزءاً من نظام سياسي مختلف لا تتحكم به منطق المحاور والساحات المفتوحة.

لهذا السبب، لا يمكن قراءة النص كرسالة إلى إسرائيل فقط. إنه رسالة إلى الداخل أيضاً. رسالة إلى جمهور بدأ يطرح أسئلة صعبة حول جدوى المسار الذي سلكه لبنان طوال السنوات الماضية. ورسالة إلى خصوم الحزب مفادها أن الصراع لم يُحسم بعد. ورسالة إلى الخارج بأن إيران ما زالت تريد الاحتفاظ بأوراقها اللبنانية مهما تبدلت الظروف.

لكن المشكلة أن الزمن تغيّر. فالشعوب التي دفعت أثمان الحروب لم تعد تسأل من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك مشروع الدولة الأقوى. لم تعد تسأل عن المحاور، بل عن الوظائف والاقتصاد والاستقرار والسيادة. لم تعد تبحث عن انتصارات إعلامية، بل عن مستقبل يمكن العيش فيه.

ولهذا، فإن أخطر ما كشفه المقال ليس احتمال الحرب المقبلة، بل الاعتراف الضمني بأن مرحلة كاملة تقترب من نهايتها. مرحلة كان فيها لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. مرحلة كان فيها قرار الحرب أكبر من الدولة، وقرار السلم أكبر من المؤسسات.

ما يحاول الخطاب السياسي إخفاءه اليوم بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى: المنطقة تتغير بسرعة، وموازين القوى تتبدل، والمشاريع التي قامت على إدارة الأزمات والحروب تواجه امتحان البقاء.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح أي مشروع بعدد الصواريخ التي يمتلكها، بل بعدد الأوطان التي استطاع إنقاذها. وهنا يكمن السؤال الذي يطارد كل الخطابات الكبرى: بعد كل هذه السنوات، ماذا ربح لبنان فعلاً؟

ذلك هو السؤال الذي يخشاه أصحاب الشعارات أكثر من أي حرب مقبلة.