الحوثيون يضربون.. والسعودية مطالبة بتغيير حسابات المعركة

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

الحوثيون يضربون.. والسعودية مطالبة بتغيير حسابات المعركة

لم يعد السؤال: هل يستطيع الحوثيون ضرب السعودية؟

لقد أثبتوا أنهم يحاولون ذلك.

السؤال الأخطر الآن هو: هل تستطيع الرياض أن تجعل تكرار هذه الهجمات عديم الجدوى؟

هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

الهجوم على جنوب السعودية والمنشآت الحيوية ليس مجرد عمل عسكري. إنه محاولة لضرب الأمن والثقة والاقتصاد في وقت واحد، وإرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأن الصواريخ والمسيّرات يمكن أن تتحول إلى أداة ابتزاز سياسي.

وهذه الرسالة يجب أن تُقابل برسالة أقوى:

السعودية ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

الحوثيون قد يكونون رأس الحربة في اليمن، لكن قراءة المشهد تتجاوز حدود اليمن. فكلما تحولت الجماعة إلى منصة ضغط في صراع إقليمي أوسع، أصبحت المعركة بالنسبة إلى الرياض معركة ردع لا انتقام.

والفرق بين الاثنين كبير.

الانتقام ينتهي بانتهاء الضربة.

أما الردع فيبدأ عندما يدرك الخصم أن الضربة المقبلة ستكلفه أكثر مما يمكن أن تحقق له.

لذلك لا تحتاج السعودية إلى رد غاضب بقدر حاجتها إلى رد محسوب يغيّر قواعد اللعبة.

الأولوية الأولى هي حماية المنشآت الحيوية: النفط، الطاقة، المطارات، الموانئ وشبكات البنية التحتية، عبر منظومة متكاملة من الإنذار المبكر والدفاع متعدد الطبقات والجاهزية الأمنية.

لكن الدفاع وحده لا يكفي.

فالردع الحقيقي يتطلب أيضاً تقليص قدرة الحوثيين على تكرار الهجمات، سياسياً وأمنياً وعسكرياً، مع الحفاظ على الشرعية الدولية التي تحتاجها الرياض في أي مواجهة طويلة.

وهنا تدخل الورقة الأخطر: باب المندب.

اليمن ليس مهماً للسعودية بسبب الحدود فقط. موقعه يجعل أي اضطراب فيه قابلاً للامتداد إلى البحر الأحمر والملاحة والتجارة والطاقة.

ولهذا فإن أمن البحر الأحمر يجب أن يُعامل باعتباره جزءاً من الأمن القومي السعودي، وليس ملفاً يمنياً منفصلاً.

أما إيران، فالتعامل معها يحتاج إلى عقل بارد.

إذا كانت طهران تستفيد من الحوثيين كأداة ضغط غير مباشر، فإن أفضل استراتيجية ليست بالضرورة فتح مواجهة مباشرة، بل رفع تكلفة استخدام الوكلاء إلى درجة تفقد معها هذه الأداة قيمتها السياسية والاستراتيجية.

هذه هي النقطة التي يجب أن تفهمها الرياض جيداً:

لا تطارد الأفعى في كل مكان؛ أضعف قدرتها على استخدام ذراعها ضدك.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا تقع السعودية في الفخ الذي قد يريده خصومها: حرب مفتوحة بلا نهاية.

فالحرب الطويلة تمنح الحوثيين مادة دعائية، وتستنزف الموارد، وتوسع دائرة التدخلات، وتحوّل المعركة من قضية أمن سعودي إلى أزمة إقليمية يصعب التحكم بمسارها.

القوة السعودية الحقيقية ليست في إطلاق أكبر عدد من الصواريخ رداً على الصواريخ.

القوة الحقيقية هي أن تستطيع الرياض أن تقول للعالم:

نحن لا نبحث عن الحرب، لكننا لن نقبل بالابتزاز.

وأن تقول للحوثيين:

الهجوم على السعودية لن يمنحكم مكسباً سياسياً.

وأن تقول لإيران، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة:

استخدام الوكلاء لن يجعل المسؤولية تختفي.

هذه ليست معركة صاروخ ضد منشأة.

إنها معركة حسابات.

ومن ينجح في تغيير حسابات خصمه، هو من يربح الجولة.

لذلك فإن الرد السعودي المطلوب ليس ضربةً تنتهي في نشرات الأخبار، بل استراتيجية تجعل الهجوم القادم أصعب، وأعلى كلفة، وأقل فائدة.

فالردع لا يُقاس بعدد الأهداف التي تُدمَّر.

الردع يُقاس بعدد الهجمات التي لم يعد الخصم يجرؤ على تنفيذها.

وهنا تحديداً تقف السعودية أمام الاختبار الحقيقي:

إما أن تبقى الهجمات الحوثية حلقة متكررة في حرب استنزاف مفتوحة، أو تنجح الرياض في تحويل هذه اللحظة إلى نقطة فاصلة تعيد فيها رسم قواعد الأمن والردع في جنوب المملكة والبحر الأحمر.

المعركة لم تعد فقط على ما يستطيع الحوثيون ضربه.

المعركة على ما إذا كانوا سيستطيعون فرض معادلة جديدة على السعودية.

والجواب الذي يجب أن يصنعه الرد السعودي واضح:

لا صاروخ يستطيع أن يكتب قواعد الأمن السعودي.