دويلة الكابلات في طرابلس: من يفرض التسعيرة… ومن يحمي النفوذ؟

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل نيوز

دويلة الكابلات في طرابلس: من يفرض التسعيرة… ومن يحمي النفوذ؟
دويلة الكابلات في طرابلس: من يفرض التسعيرة… ومن يحمي النفوذ؟
دويلة الكابلات في طرابلس: من يفرض التسعيرة… ومن يحمي النفوذ؟

في طرابلس، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد أزمة خدمات، ولم تعد المولدات الخاصة مجرد حلّ اضطراري لسدّ عجز الدولة.

المشهد بات أكثر خطورة.

فحين تنقطع كهرباء الدولة، لا ينقطع معها التيار فقط؛ بل ينفتح أيضاً سوق كامل للخدمات البديلة، تتحول فيه الحاجة الأساسية للمواطن إلى مصدر نفوذ وربح، وتتحول بعض المولدات من وسيلة مؤقتة لتأمين الكهرباء إلى منظومات خدماتية تمتلك القدرة على فرض الأسعار، ومدّ الشبكات، ورسم حدود النفوذ داخل الأحياء.

وهنا يصبح السؤال أكبر من فاتورة مولّد:

من يضع التسعيرة؟

من يراقبها؟

من يملك حق مدّ الكابلات فوق الشوارع والأرصفة؟

ومن يحمي هذا الواقع عندما يتجاوز القانون؟

هذه ليست أسئلة تقنية.

هذه أسئلة دولة.

حين يصبح غياب الدولة فرصة للنفوذ

المشكلة ليست في وجود المولدات بحد ذاته.

المشكلة تبدأ عندما يتحول غياب الدولة إلى فرصة لبناء اقتصاد خدمات موازٍ، وعندما يصبح المواطن مضطراً إلى قبول شروط السوق لأنه ببساطة لا يملك بديلاً.

في بعض أحياء طرابلس، باتت الكابلات تمتد فوق الشوارع، والأعمدة تُثبت في مساحات عامة، والأرصفة تُحفر وتُشوّه، فيما تتراكم الأسلاك بطريقة تثير أسئلة جدية حول السلامة العامة والتنظيم والرقابة.

لكن الأخطر من الفوضى البصرية هو فوضى السلطة.

فحين يستطيع طرف خاص أن يمد شبكة، ويحدد سعراً، ويخدم منطقة، ويمنع منافساً أو يفرض أمراً واقعاً، فإن القضية لم تعد مجرد مخالفة تنظيمية.

نحن أمام سؤال سياسي بامتياز:

أين تنتهي سلطة صاحب المولّد وتبدأ سلطة الدولة؟

المواطن يدفع مرتين

المفارقة الأكثر قسوة أن المواطن اللبناني يدفع ثمن انهيار منظومة الكهرباء مرتين.

يدفع أولاً عندما يعجز عن الحصول على كهرباء عامة مستقرة، ثم يدفع ثانياً ثمن اللجوء إلى البديل الخاص.

وفي ظل غياب رقابة فعّالة وشفافية كاملة في التسعير، يصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك فيها إلا خيار الدفع.

ومن هنا تبرز قضية ارتفاع أسعار المولدات باعتبارها أكثر من مجرد ارتفاع في كلفة التشغيل.

إذا كانت التسعيرة الرسمية أو التنظيمية موجودة، فمن يراقب الالتزام بها؟

وإذا كانت هناك آليات محددة لاحتساب الفاتورة، فمن يضمن أن يدفع المواطن ما يجب أن يدفعه فعلاً؟

وإذا كانت هناك مخالفات أو تعديات، فمن يزيلها؟

وإذا كان هناك احتكار محلي للخدمة، فمن يفتح السوق أمام المنافسة؟

والسؤال الأهم:

إذا كان المواطن عاجزاً عن الاعتراض، فمن يملك القدرة على مساءلة أصحاب النفوذ؟

من مولّد إلى إقطاعية خدماتية

الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتجاوز المولّد وظيفته الأصلية.

المولّد يجب أن يكون مزوّد خدمة في ظروف استثنائية، لا أن يتحول إلى مركز نفوذ داخل الحي.

لكن عندما تتراكم شبكة الكابلات، وتترسخ منطقة الخدمة، وتغيب المنافسة، ويصبح تغيير المزوّد أمراً صعباً، فإننا نقترب من نموذج مختلف تماماً:

اقتصاد خدمات قائم على النفوذ أكثر مما هو قائم على المنافسة.

وهنا تصبح عبارة "صاحب المولّد" أقل دقة من عبارة:

صاحب شبكة نفوذ خدماتية.

وهذا هو الخطر الذي يجب أن تتوقف عنده الدولة والبلدية والجهات الرقابية، لا أن تكتفي بالنظر إلى الأسلاك باعتبارها مشكلة تشويه للمدينة.

فالكابل الممدود عشوائياً فوق رأس المواطن ليس مجرد كابل.

إنه، في بعض الحالات، علامة على أن هناك جهة استطاعت أن تفرض وجودها في المجال العام من دون أن تمر بالضرورة عبر مؤسسات الدولة وآلياتها.

من يتحمل مسؤولية الفوضى؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

ليس المطلوب إطلاق اتهامات جزافية بحق أصحاب المولدات، ولا افتراض وجود "مافيا" بالمعنى القانوني للكلمة من دون أدلة وتحقيقات.

لكن من حق الناس أن يسألوا، ومن واجب الدولة أن تجيب:

هل توجد حالات احتكار؟

هل توجد مخالفات في التسعير؟

هل توجد تعديات على الأملاك العامة؟

هل توجد شبكات تعمل من دون التزام بالمعايير المطلوبة؟

هل توجد حماية سياسية أو محلية لأي جهة تمنع تطبيق القانون؟

وإذا كانت الإجابة نعم في أي من هذه الملفات، فالسؤال يصبح أكثر خطورة:

من يحمي المخالف عندما يعرف الجميع أنه مخالف؟

هنا تحديداً يجب أن يبدأ التحقيق، لا التخمين.

طرابلس ليست ساحة نفوذ لأحد

طرابلس ليست ملكاً لأصحاب المولدات.

وليست ملكاً لأي مجموعة قادرة على فرض أمر واقع.

الشوارع والأرصفة والأملاك العامة ليست مناطق نفوذ خاصة، والقانون لا يفترض أن يتغير من شارع إلى شارع، ولا أن يصبح أكثر ليونة كلما كان صاحب المخالفة أكثر نفوذاً.

الدولة، ببساطة، إما أن تكون موجودة أو لا تكون.

ولا يمكن أن تكون موجودة في البيانات والخطب، وغائبة عن الشارع.

فالهيبة الحقيقية للدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها الوزارات، بل بقدرتها على حماية رصيف، وتنظيم شبكة، وضبط تسعيرة، ومنع احتكار، ومحاسبة مخالف، أياً يكن اسمه أو موقعه أو الجهة التي تقف خلفه.

المطلوب ليس حملة إعلامية ليوم واحد

طرابلس لا تحتاج إلى حملة موسمية تُزال فيها بعض الكابلات أمام الكاميرات، ثم تعود الفوضى بعد أسابيع.

ما تحتاجه المدينة هو خطة دولة.

خطة تبدأ بمسح شامل لشبكات المولدات، وتحديد مناطق الخدمة، ونشر آليات التسعير بصورة واضحة، وربط الفواتير بعدادات شفافة، وتنظيم التراخيص، ومنع الاحتكار، وإزالة التعديات على الأملاك العامة، وفرض معايير السلامة، وإنشاء آلية فعلية لتلقي شكاوى المواطنين والتحقق منها.

والأهم من كل ذلك:

تطبيق القانون على الجميع.

لا حملة ضد صاحب مولّد لأنه ضعيف، ولا غضّ نظر عن صاحب مولّد لأنه قوي.

لا دولة انتقائية.

ولا عدالة انتقائية.

القضية أكبر من الكهرباء

المسألة في جوهرها ليست: كم أصبحت فاتورة المولّد؟

هذا سؤال مهم، لكنه ليس السؤال الأخطر.

السؤال الأخطر هو:

ماذا يحدث عندما تنسحب الدولة من تقديم خدمة أساسية، ثم تسمح بترك السوق البديل من دون رقابة كافية؟

الجواب واضح تاريخياً وسياسياً:

يبدأ الفراغ بالخدمة، ثم ينتقل إلى النفوذ، ثم يتحول النفوذ إلى أمر واقع، ثم يصبح أمر الواقع منظومة يصعب تفكيكها.

وهكذا لا يعود المواطن أمام "مولّد".

بل أمام شبكة مصالح.

وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية.

لأن الدولة لا تخسر فقط احتكارها المشروع لتقديم الخدمات العامة؛ بل تخسر تدريجياً قدرتها على تنظيم المجال العام نفسه.

طرابلس أمام اختبار الدولة

ما يجري في طرابلس يجب ألا يُختزل في مشكلة كهرباء أو كابلات أو أسعار مولدات.

إنه اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها التنظيمية في الحياة اليومية.

هل تستطيع الدولة أن تقول بوضوح:

هذه التسعيرة قانونية وهذه مخالفة؟

هل تستطيع أن تقول:

هذا الكابل مرخّص وهذا تعدٍّ؟

هل تستطيع أن تقول:

هذا المولد يعمل وفق القانون وهذا يخالفه؟

وهل تستطيع، قبل كل ذلك، أن تضمن للمواطن أن شكواه لن تتحول إلى مغامرة، وأن القانون لن يُطبّق على الضعيف ويُستثنى منه القوي؟

لأن الدولة التي تعجز عن تنظيم خدمة الكهرباء في شارع، ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام سؤال أكبر بكثير:

من يملك القرار على الأرض؟

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

قد تبدأ القصة بكابل كهرباء.

لكنها تنتهي بسؤال عن السيادة.

قد تبدأ بفاتورة مولّد.

لكنها تنتهي بسؤال عن الاحتكار.

وقد تبدأ بانقطاع كهرباء الدولة.

لكنها قد تنتهي، إذا استمر الفراغ، بانقطاع الدولة نفسها عن الشارع.

والسؤال الذي يجب ألا يختفي

لذلك، قبل أن نسأل فقط:

لماذا ارتفعت فاتورة المولّد؟

علينا أن نسأل:

من قرر؟

وبأي حق؟

ومن راقب؟

ومن سمح؟

ومن استفاد؟

ومن يحمي من يفرض أمراً واقعاً إذا ثبت وجوده؟

هذه ليست دعوة إلى اتهام أحد.

بل دعوة إلى فتح الملفات.

فالشفافية تبدأ عندما تصبح الأرقام معلنة، والتراخيص واضحة، والتسعيرة قابلة للتدقيق، والمنافسة ممكنة، والشكاوى قابلة للتحقيق، والقانون قابلاً للتطبيق على الجميع.

أما إذا بقيت الإجابات غائبة، وبقيت الكابلات معلقة فوق رؤوس الناس، وبقي المواطن يدفع بصمت خوفاً من فقدان الخدمة، فالمشكلة لن تكون في الكهرباء وحدها.

المشكلة ستكون في الفراغ الذي تركته الدولة، وفي الجهات التي بدأت تملأ هذا الفراغ.

وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً، والأكثر ضرورة:

من يحكم هذا الشارع؟

الدولة اللبنانية…

أم دويلة الكابلات؟