للصبر الخليجي حدود… فهل اقتربت لحظة الحساب؟

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

للصبر الخليجي حدود… فهل اقتربت لحظة الحساب؟

لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تبادل للتهديدات أو جولة جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. فكل صاروخ يُطلق، وكل تهديد يُعلن، وكل قاعدة أو منشأة تدخل دائرة الخطر، يضع دول الخليج أمام سؤال أكثر حساسية من أي وقت مضى: إلى متى يمكن أن يستمر ضبط النفس قبل أن يتحول الصمت نفسه إلى مخاطرة استراتيجية؟

الخليج يراقب، يحسب، ويعيد ترتيب أوراقه. وقد يكون الهدوء الذي يراه البعض ضعفًا هو في الحقيقة الجزء الأكثر غموضًا من المعادلة. فالدول لا تكشف عادةً كل ما تملكه، ولا تعلن مسبقًا أين يمكن أن تضع خطوطها الحمراء. ولهذا فإن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس ما قيل، وإنما ما لم يُقل بعد.

إيران تعرف أن أي مواجهة واسعة مع دول الخليج ستكون مختلفة تمامًا عن مواجهة خصم بعيد. فالمسافة قصيرة، والمصالح متشابكة، والممرات البحرية والطاقة والاقتصاد العالمي كلها تقع داخل دائرة التأثير. وفي المقابل، تعرف دول الخليج أن أي مواجهة مفتوحة قد تكون مكلفة للجميع، ولذلك ظل خيار الاحتواء وضبط النفس حاضرًا بقوة في حساباتها.

لكن ضبط النفس لا يعني أن الصبر بلا نهاية.

السعودية واجهت خلال السنوات الماضية هجمات وتهديدات مرتبطة بإيران ووكلائها في المنطقة، وتعاملت معها بمزيج من الإجراءات العسكرية والأمنية والسياسية. والإمارات كذلك واجهت تهديدات وهجمات مرتبطة بالتوتر الإقليمي، وأظهرت أن أمنها ليس مساحة مفتوحة للاختبار المستمر. وهذه التجارب صنعت لدى العواصم الخليجية خبرة طويلة في التعامل مع أدوات الضغط الإيرانية، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الجماعات المسلحة والتهديدات التي تطال الملاحة والمنشآت الحيوية.

لكن ما قد يتغير الآن هو طبيعة المعادلة نفسها.

فإذا استمر استهداف المصالح الخليجية أو تهديدها، فقد لا يبقى السؤال: «ماذا ستفعل كل دولة؟» وإنما يصبح السؤال: هل يمكن أن يتحول أمن الخليج إلى قضية واحدة؟

وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي قد تقلب الحسابات.

لأن الرد الخليجي، إذا جاء، ليس بالضرورة أن يكون ضربة عسكرية مباشرة بالمفهوم التقليدي. قد يكون الرد سياسيًا، أمنيًا، عسكريًا، دبلوماسيًا، أو مزيجًا من كل ذلك. والقوة الحقيقية ليست في إظهار كل الأوراق، وإنما في امتلاك أوراق لا يعرف الخصم متى وكيف ستُستخدم.

وهذه هي المعضلة التي تواجه طهران.

فقد تستطيع إيران أن ترفع مستوى التهديد، وقد تستطيع استخدام حلفائها وأدواتها الإقليمية، لكنها في المقابل تواجه دولًا خليجية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا وعلاقات دفاعية واسعة، وتعرف أن أمنها ليس شأنًا محليًا فحسب، بل يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

ومن هنا قد تكون أكبر مخاطرة بالنسبة لإيران ليست في رد خليجي منفرد، وإنما في انتقال دول الخليج من سياسة «احتواء الخطر» إلى سياسة ردع الخطر .

الفارق بين الاثنين كبير.

الاحتواء يعني أن الدولة تحاول منع الأزمة من التوسع.

أما الردع فيعني أن الخصم يعرف مسبقًا أن تجاوز خط معين ستكون له تكلفة.

وهنا تصبح عبارة للصبر حدود. أكثر من مجرد شعار.

إنها تعني أن استمرار الاختبار قد يقود في النهاية إلى تغيير قواعد اللعبة.

لكن هل سيكون الرد خليجيًا مشتركًا؟

لا أحد يستطيع الجزم بذلك قبل ظهور قرارات واضحة من العواصم الخليجية. وقد تختار كل دولة التحرك وفق حساباتها الخاصة، خصوصًا أن لكل دولة علاقاتها ومصالحها وتقديراتها الأمنية. وقد يكون هناك في المقابل تنسيق أوسع إذا اعتُبر أن التهديد تجاوز دولة بعينها وأصبح يستهدف أمن المنطقة ككل.

وهذه هي اللحظة التي يجب مراقبتها بدقة.

فإذا انتقل الخطاب الخليجي من الحديث عن أمن كل دولة. إلى الحديث عن «أمن الخليج كمنظومة واحدة»، فستكون تلك إشارة سياسية شديدة الأهمية.

عندها لن يكون استهداف دولة خليجية مجرد مشكلة ثنائية.

سيصبح اختبارًا لمفهوم الأمن الجماعي في الخليج.

وهذا بالضبط ما قد يجعل الأيام المقبلة شديدة الحساسية.

فالحرب لا تبدأ دائمًا بقرار معلن.

أحيانًا تبدأ بسوء تقدير.

طرف يعتقد أن خصمه لن يرد.

ثم يأتي الرد.

فيعتقد الطرف الآخر أن عليه الرد مجددًا.

ثم تدخل حسابات جديدة، وأطراف جديدة، وأهداف جديدة.

وفجأة يتحول التصعيد المحدود إلى مواجهة يصعب على الجميع إيقافها.

ولهذا فإن أخطر سؤال في المرحلة الحالية ليس: من يملك الصاروخ الأقوى؟

بل: من يستطيع التحكم في سقف التصعيد؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

إيران تريد أن تثبت أن الضغط عليها ستكون له تكلفة.

والولايات المتحدة تريد إثبات أن تهديد مصالحها وقواتها لن يمر بلا ثمن.

ودول الخليج تريد أن تثبت أن أراضيها وأمنها ومصالحها ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وبين هذه الحسابات الثلاثة تتحرك المنطقة فوق أرض شديدة الحساسية.

وقد يكون من السهل إطلاق التهديدات، لكن الأصعب هو معرفة اللحظة التي يتحول فيها التهديد إلى قرار.

لهذا يجب ألا يُستهان بالهدوء الخليجي، كما لا ينبغي افتراض أن الرد قادم حتمًا. السياسة الخليجية قد تختار التوقيت، والأداة، والحجم الذي يخدم مصالحها، وليس بالضرورة ما يرضي عناوين الأخبار.

لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: كلما تكرر اختبار الصبر، تقل مساحة الصبر.

وإذا وصلت العواصم الخليجية إلى قناعة بأن استمرار ضبط النفس لم يعد يحقق الردع المطلوب، فقد تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا، ليس بالضرورة عنوانها الحرب، وإنما عنوانها إعادة تعريف تكلفة التهديد.

عندها قد تكتشف الأطراف التي راهنت طويلًا على أن الخليج سيكتفي بالدفاع والاحتواء أن المعادلة تغيرت.

وقد لا يكون التغيير في عدد الصواريخ، ولا في حجم البيانات العسكرية، وإنما في القرار السياسي نفسه: من يهدد أمن الخليج يجب أن يعرف أن هناك ثمنًا لذلك التهديد.

لهذا فإن الأيام القادمة ليست مجرد أيام إضافية في أزمة جديدة.

إنها اختبار لحدود الصبر، وحدود الردع، وحدود قدرة جميع الأطراف على السيطرة على النار قبل أن تتحول إلى حريق إقليمي.

فهل تختار دول الخليج الرد منفردة؟ أم تتجه إلى موقف أكثر تنسيقًا؟ أم تستمر في سياسة ضبط النفس وانتظار اللحظة المناسبة؟

لا أحد يستطيع أن يجيب الآن.

لكن شيئًا واحدًا بات واضحًا:

الخليج ليس بلا أوراق، والصمت ليس بالضرورة عجزًا، وضبط النفس ليس وعدًا إلى الأبد.

وقد تكون الرسالة التي ينبغي أن تُفهم قبل فوات الأوان هي أن اختبار صبر الخليج قد يكون أسهل بكثير من اختبار قراره عندما يعتقد أن الخط الأحمر قد تم تجاوزه.

فالهدوء قد يكون سياسة… لكنه أحيانًا يكون أيضًا آخر فرصة قبل أن تتغير قواعد اللعبة.