علي الطاهر.. حين تنتصر الصورة ويخسر الجميع

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

علي الطاهر.. حين تنتصر الصورة ويخسر الجميع

ليست المشكلة في علي الطاهر أنها تلة ارتفعت فجأة إلى مرتبة الحدث، بل في أن تلةً واحدة استطاعت أن تكشف حجم التحول الذي يجري من حولها. فمن يقرأ المشهد باعتباره مجرد تقدم إسرائيلي أو انسحاب لحزب الله، يفوّت جوهر القضية؛ لأن المعركة الحقيقية لم تعد على المرتفع وحده، بل على الرواية التي ستُبنى فوقه.

إسرائيل تعرف جيداً أن الحروب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى انتصار عسكري ساحق كي تنتج انتصاراً سياسياً. يكفيها أحياناً موقع، وصورة، وعلم، ثم ماكينة إعلامية تعرف كيف تحول المشهد المحدود إلى دليل على تبدل موازين القوة. ومن هنا فإن تضخيم علي الطاهر لا ينبغي أن يُقرأ فقط كدعاية عسكرية، بل كمحاولة لإعادة تعريف المرحلة: إسرائيل تتقدم، وحزب الله يتراجع، والقواعد التي حكمت الجنوب طوال سنوات لم تعد كما كانت.

لكن القراءة الجادة لا تسمح لنا بالوقوع في الفخ المقابل. فحتى لو ثبتت السيطرة على الموقع، فإن ذلك لا يعني تلقائياً انهيار حزب الله، كما أن التراجع من موقع لا يثبت وحده هزيمة استراتيجية. السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام حادثة تكتيكية، أم أمام بداية تغير في شبكة السيطرة والردع والانتشار؟ هنا فقط يصبح للحدث معنى يتجاوز الصورة.

والأهم أن حزب الله يواجه معركة مزدوجة. فهو لا يواجه إسرائيل عسكرياً فحسب، بل يواجه أيضاً أزمة سياسية داخل بيئته وداخل لبنان. فالقوة المسلحة التي استطاعت لسنوات أن تمنح الحزب موقعاً استثنائياً في المعادلة اللبنانية، لا تستطيع وحدها إدارة مجتمع يزداد انقساماً حول كلفة الحرب وجدواها ونتائجها. ولذلك فإن الخطر على الحزب ليس في خسارة مرتفع فقط، وإنما في أن تتحول الخسارة ــ إن ثبتت ــ إلى رمز لتآكل صورة الردع.

أما نتنياهو، فقد وجد في المشهد ما يحتاج إليه أكثر من أي وقت: قصة يمكن بيعها سياسياً. وليس ضرورياً أن يكون حزب الله قد أراد تقديم هذه الهدية؛ ففي السياسة لا تُقاس الهدايا بنوايا من يقدمها، بل بمن يستطيع استثمارها. صورة إسرائيل فوق مرتفع في جنوب لبنان قد تمنح نتنياهو مادة إضافية ليقول لجمهوره إن إسرائيل هي التي تفرض الوقائع، وإن خصومها باتوا يتراجعون.

لكن هنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تربح إسرائيل الصورة، وقد يحافظ حزب الله على قدرته العسكرية، ومع ذلك يخسر لبنان كله شيئاً أخطر: الثقة.

إذا فشلت الدولة في الإجابة، وإذا تحولت الخلافات حول حزب الله إلى شماتة داخلية، وإذا نجحت إسرائيل في تحويل تقدم ميداني محدود إلى واقع سياسي دائم، فإننا لا نكون أمام نهاية حرب، بل أمام بداية أزمة جديدة.

لهذا فإن علي الطاهر ليست قصة تلة، ولا قصة علم، ولا حتى قصة حزب الله وإسرائيل وحدهما. إنها اختبار لما بعد الحرب: من يملك الأرض، ومن يملك الرواية، ومن يملك القدرة على حماية لبنان من أن يتحول الانتصار الإعلامي لطرف إلى هزيمة استراتيجية للجميع.

فالزلزال الحقيقي لا يحدث عندما تسقط تلة؛ بل عندما تتغير القناعة بأن ما كان مستحيلاً بالأمس أصبح ممكناً اليوم.