كفى قتلاً... لبنان ليس ساحة مفتوحة للجميع

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

كفى قتلاً... لبنان ليس ساحة مفتوحة للجميع

في لبنان، ثمة حقيقة بات من الصعب إخفاؤها خلف بيانات الحرب وخطابات النصر: الجميع يتحدث عن الأمن، واللبنانيون وحدهم يدفعون ثمنه.

حين يسقط المدنيون في كفر رمان، وبينهم أطفال ورضيعان، وحين يُقتل مسعفون أثناء قيامهم بعملهم، لا يعود السؤال الحقيقي من بدأ الجولة الأخيرة، ولا من أطلق الطائرة المسيّرة، ولا أي منشأة كانت الهدف. تلك أسئلة سياسية وعسكرية يجب أن تُبحث، لكن هناك سؤالاً يسبقها جميعاً: متى يصبح قتل الأبرياء ثمناً غير مقبول لأي حساب عسكري؟

لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح، ومن دون مجاملة لأي طرف: كفى.

كفى لأن تتحول حياة اللبنانيين إلى هامش في حسابات حزب الله، وكفى لأن تتحول القرى اللبنانية إلى أهداف مفتوحة في الحسابات الإسرائيلية، وكفى لأن تبقى الولايات المتحدة قادرة على التأثير في مسار هذه الحرب ثم تتعامل مع نتائجها وكأنها شأن لبناني محض.

حزب الله لا يستطيع أن يطالب اللبنانيين بتفهم قراراته العسكرية من دون أن يجيب عن سؤال أساسي: من أعطاه حق تقرير الحرب والسلم نيابة عن دولة كاملة؟ وإذا كان الحزب يرى في سلاحه ضمانة للبنان، فعليه أن يدرك أن الضمانة التي لا يملك قرار استخدامها إلا طرف واحد قد تتحول، في لحظة ما، إلى عبء على البلد الذي يفترض أنها تحميه.

لكن محاسبة حزب الله لا تعني منح إسرائيل براءة.

إسرائيل التي تقول إنها تضرب أهدافاً عسكرية لا تستطيع أن تجعل وجود هدف مزعوم بالقرب من المدنيين مبرراً تلقائياً لكل نتيجة تسفر عنها الضربة. فالقوة العسكرية لا تلغي القانون، والقدرة على التدمير لا تمنح حصانة أخلاقية. عندما يُقتل طفل أو مسعف أو تُهدم عائلة داخل منزلها، فإن عبارة «كان هناك هدف عسكري» لا ينبغي أن تكون نهاية السؤال، بل بدايته: هل كانت الضربة ضرورية؟ وهل كانت متناسبة؟ وهل اتُّخذت كل الإجراءات الممكنة لحماية المدنيين؟

هذه الأسئلة لا تُطرح دفاعاً عن حزب الله، بل دفاعاً عن لبنان وعن الحد الأدنى من قواعد الحرب التي يفترض أن تحمي الإنسان عندما تفشل السياسة.

أما الولايات المتحدة، فلا تستطيع أن تطلب من العالم الثقة بدورها كقوة قادرة على إدارة الأزمات، ثم تقف عاجزة سياسياً أمام التصعيد الذي تستطيع التأثير فيه. إذا كانت واشنطن تملك نفوذاً حقيقياً على إسرائيل، فإن مسؤوليتها لا تبدأ بعد سقوط الضحايا، ولا تنتهي عند التعبير عن القلق. القوة التي تستطيع منع التصعيد ثم لا تستخدم نفوذها بما يكفي، تتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار المسار الذي كانت قادرة على التأثير فيه.

لكن وسط هذه المعادلة كلها، يبقى السؤال الأصعب موجهاً إلى الدولة اللبنانية نفسها.

إلى متى تبقى الدولة مطالبة بإدارة نتائج الحرب بدلاً من امتلاك القرار الذي يمنعها؟

الدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تقدم لمواطنيها ضمانة حقيقية، والدولة التي لا تستطيع حماية حدودها ومدنها وقراها تصبح مجرد وسيط بين قوى أكبر منها. لذلك فإن استعادة الدولة اللبنانية لقرارها ليست شعاراً سياسياً ضد حزب الله، بل شرطاً لبقاء لبنان نفسه خارج دائرة الاستباحة.

وهنا يجب أن يكون المبدأ واضحاً: الدولة اللبنانية مطالبة بأن تكون قوية مع الجميع، لا قوية على طرف وضعيفة أمام طرف آخر.

عليها أن تواجه أي استخدام للأراضي اللبنانية بما يعرّض المدنيين للخطر، أياً كان مصدره، وأن تستخدم في مواجهة الاعتداء الإسرائيلي كل أدوات السيادة والدبلوماسية والقانون الدولي، وألا تسمح بتحويل لبنان إلى ساحة لتبادل الرسائل بين طهران وتل أبيب وواشنطن.

فلبنان ليس صندوق بريد.

وليس منصة صواريخ.

وليس منطقة عازلة.

وليس ورقة تفاوض.

وليس ساحة اختبار لمشاريع الآخرين.

إنه بلد يعيش فيه ملايين البشر، لهم الحق في أن يستيقظوا من دون أن يسألوا أنفسهم: هل ستصل الحرب إلى منزلي اليوم؟

المشكلة أن كل طرف يملك رواية تبدو، من وجهة نظره، منطقية. حزب الله يتحدث عن الردع والمقاومة، إسرائيل تتحدث عن الأمن ومنع التهديد، والولايات المتحدة تتحدث عن حماية حليفتها ومنع توسع الحرب. لكن عندما تصطدم هذه الروايات بالواقع، يظهر مشهد مختلف تماماً: بيت مدمّر، عائلة مشرّدة، طفل تحت الركام، ومسعف لم يعد إلى منزله.

وهنا تسقط كل الشعارات.

فالأمن الذي يحتاج إلى قتل الأبرياء كي يتحقق ليس أمناً مستداماً. والمقاومة التي لا تستطيع حماية مجتمعها من كلفة الحرب تحتاج إلى مراجعة سياسية. والدعم الدولي الذي لا يضع حداً للتصعيد يتحول من أداة للحل إلى جزء من المشكلة.

لقد آن الأوان لكي يفهم الجميع أن الانتصار الحقيقي ليس أن تربح جولة عسكرية، بل أن تمنع الجولة التالية.

إسرائيل لن تحصل على أمن دائم إذا بقي لبنان جريحاً.

وحزب الله لن يحمي لبنان إذا بقي لبنان يدفع ثمن قرارات الحرب من دون أن تكون الدولة صاحبة القرار.

والولايات المتحدة لن تستطيع الحديث عن الاستقرار فيما تُترك المنطقة لتدور داخل دائرة الضربات والردود.

أما لبنان، فلا يستطيع أن ينتظر إلى الأبد حتى يتفق الآخرون على مصيره.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس طرفاً جديداً ينتصر فوق أنقاض الجنوب، بل دولة تستعيد قرارها، وتحمي شعبها، وتواجه الجميع بالقانون نفسه، وتقول بوضوح لحزب الله وإسرائيل والولايات المتحدة وسواها: لبنان ليس ساحة حرب لأحد.

وحين يصبح هذا المبدأ غير قابل للتفاوض، فقط عندها يمكن أن يبدأ الحديث عن نهاية الحرب.

أما قبل ذلك، فكل انتصار معلن سيبقى مؤقتاً، وكل صورة نصر ستخفي خلفها صورة أخرى لا يريد أحد أن يراها:

لبنانياً يدفع الثمن.