الدبلوماسية تنتصر… وصواريخ البركان خارج التاريخ
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لحظةٍ كان يُفترض أن تشتعل فيها المنطقة على اتساعها، حدث ما لم يكن في الحسبان:
خمد صوت البارود… وارتفع صوت الدبلوماسية.
لم تكن الهدنة مجرد اتفاق عابر، بل تحوّل عميق في منطق القوة.
ففي منطقة لطالما حُسمت معاركها بالنار، جاء هذا التطور ليؤكد أن زمن الحسم العسكري المطلق بدأ يتراجع، وأن السياسة عادت لتفرض نفسها كقوة أولى.
ما جرى يتجاوز حدود لبنان وإسرائيل. نحن أمام إعادة رسم لقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، حيث لم يعد ممكناً لأي طرف أن يفرض معادلته منفرداً.
التفاهم الذي تم برعاية دولية، وبحضور شخصيات محورية كدونالد ترمب، وبالتوازي مع تواصل مباشر مع جوزيف عون وبنيامين نتنياهو، يعكس بوضوح أن القرار لم يعد ميدانياً فقط… بل أصبح دولياً بامتياز.
لكن الزلزال الحقيقي ليس هنا.
الزلزال يكمن في أن لبنان وُضع، ولأول مرة بهذا الوضوح، أمام معادلة لا تقبل التأجيل:
إما دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد،
أو بقاء مفتوح على كل احتمالات الفوضى.
لم يعد ملف السلاح قضية داخلية قابلة للنقاش السياسي، بل تحول إلى شرط أساسي مرتبط بالاستقرار والحرب معاً.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون عادية، بل ستكون مرحلة إعادة تعريف للدولة اللبنانية نفسها.
في موازاة ذلك، يبرز دور عربي متقدم تقوده المملكة العربية السعودية، بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يدفع نحو تحويل المنطقة من ساحة صراعات إلى مساحة استقرار.
إنها مقاربة مختلفة، تقوم على إنهاء الأزمات لا إدارتها، وعلى بناء التوازن بدل استنزافه.
أما في الداخل اللبناني، فإن التناغم بين جوزيف عون ونواف سلام لم يعد تفصيلاً سياسياً، بل شرطاً حاسماً لعبور هذه المرحلة.
لأن العالم هذه المرة لا يمنح فرصاً مفتوحة، بل يضع لبنان أمام اختبار مباشر:
إما أن ينجح في تثبيت دولته، أو أن يُترك لمصيره.
ورغم كل ذلك، تبقى الصورة غير مكتملة.
إسرائيل لا تزال على الأرض في الجنوب، وتتعامل مع الهدنة من موقع قوة، ما يجعلها هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة إذا لم تتحول إلى مسار سياسي واضح.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها:
لقد تغيّر ميزان القوة.
لم يعد السلاح وحده هو الحاسم،
ولم تعد الحروب تُربح فقط في الميدان.
الدبلوماسية ربحت… لكنها لم تنهِ الصراع، بل نقلته إلى مستوى أخطر: مستوى السيادة والقرار.
اليوم، يقف لبنان أمام لحظة تاريخية فاصلة:
إما أن يستثمر هذه الفرصة ليعيد بناء دولته،
أو أن يضيعها… فيعود إلى نقطة الصفر.