لبنان أمام ساعة الصفر: حين يصبح رغيف المواطن إنذاراً للدولة
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تحتاج إلى انفجار كي تدرك أنها أمام انفجار.
يكفي أن يصبح المواطن عاجزاً عن موازنة راتبه مع حاجاته، وأن تتحول فاتورة المدرسة إلى معركة، والاستشفاء إلى مخاطرة، والسكن إلى عبء، والغذاء إلى حساب يومي دقيق، حتى يصبح السؤال الاقتصادي سؤالاً سياسياً بامتياز:
إلى أين تذهب الدولة إذا لم يعد المواطن قادراً على الذهاب أبعد من راتبه؟
لبنان يقف اليوم أمام هذا السؤال.
والمشهد الذي ترسمه المعطيات الواردة في المقالتين ليس مجرد قصة غلاء جديدة تضاف إلى سجل الأزمات اللبنانية. نحن أمام مسارين يتقاطعان في نقطة شديدة الحساسية: اقتصاد يضغط على الناس، وسياسة مطالبة بمنع هذا الضغط من التحول إلى اضطراب اجتماعي.
وهنا تحديداً يجب أن تتوقف الحكومة طويلاً.
فالمشكلة ليست في أن اللبنانيين يشتكون من ارتفاع الأسعار؛ فالشكوى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الغلاء من ارتفاع في الأسعار إلى انكماش في الحياة نفسها.
عندما تستبدل الأسرة سلعة بأخرى أرخص، وتؤجل حاجة أساسية، وتعيد حساباتها حول التعليم والاستشفاء والنقل والسكن، فإن الاقتصاد لا يكون قد تغيّر فقط؛ بل يكون قد بدأ بإعادة تشكيل المجتمع.
وهذه نقطة لا يجوز للدولة أن تخطئ في قراءتها.
قد يكون الشارع هادئاً، وقد لا تكون القوى السياسية مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة، وقد تكون الحسابات الحزبية أكثر تعقيداً من أن تسمح بانفلات واسع.
لكن الهدوء السياسي لا يعني بالضرورة غياب الضغط الاجتماعي.
فالشارع قد يتأخر، أما الضيق فلا ينتظر.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تدركها الحكومة: أن غياب الانفجار لا يعني غياب أسبابه.
المقالة الأولى تقرأ الأزمة من زاوية السلطة وموازين القوى، وتطرح احتمال انتقال الغلاء من ملف معيشي إلى ضغط سياسي على الحكومة. أما المقالة الثانية فتأخذنا إلى الجهة الأخرى من الصورة: إلى السوق والمستهلك والأسرة والنقابات، حيث تقاس الأزمة لا بعدد الاجتماعات الحكومية، بل بعدد الحاجات التي لم يعد الدخل قادراً على تغطيتها.
وبين الصورتين تظهر الحقيقة الأخطر:
الأزمة الاقتصادية عندما تطول، لا تبقى اقتصادية.
تتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة.
والثقة هي رأس المال الأكثر حساسية في أي دولة.
حين يشعر المواطن أن الدولة تسمعه، يستطيع أن يتحمل ظروفاً صعبة. وحين يشعر أنها تتحرك، يمكنه أن يمنحها الوقت. لكن عندما يرى الأسعار تتقدم والدخل يتراجع، بينما تتكاثر التبريرات وتتوزع المسؤوليات، تبدأ الدولة بخسارة شيء لا يظهر في جداول الحسابات: ثقة الناس بقدرتها على الفعل.
وهنا يجب أن يكون التحذير واضحاً.
لا يجوز للحكومة أن تنتظر وصول الأزمة إلى الشارع كي تكتشف حجمها.
ولا يجوز أن تتحول الأزمة المعيشية إلى لعبة لتبادل المسؤوليات.
ولا يجوز أن يصبح المواطن أسير الأزمات الإقليمية والدولية من دون أن يرى في المقابل خطة وطنية واضحة لتخفيف آثارها عنه.
صحيح أن ارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الإقليمية تنعكس على الاقتصاد اللبناني، كما تشير المعطيات الواردة في المقالتين. وصحيح أن الدولة ليست جزيرة معزولة عن العالم.
لكن الدولة تُقاس تحديداً بكيفية تعاملها مع الظروف التي لا تستطيع منعها.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
المطلوب ليس خطاباً سياسياً جديداً.
المطلوب إدارة أزمة حقيقية.
مراقبة الأسواق، حماية الفئات الأكثر هشاشة، منع الاستغلال والاحتكار حيث يثبت وجودهما، تطوير شبكات الأمان الاجتماعي، والتعامل مع مطالب العمال والمتقاعدين والموظفين بجدية، والأهم وضع المواطن أمام صورة واضحة لما تستطيع الدولة فعله وما لا تستطيع فعله.
فالشفافية في الأزمات ليست ترفاً.
إنها جزء من الاستقرار.
وإذا كانت الحكومة ترى أن البلاد ما زالت قادرة على احتواء التداعيات، فإن عليها أن تثبت ذلك بالأفعال لا بالتقديرات السياسية وحدها.
لأن أخطر خطأ استراتيجي يمكن أن ترتكبه أي حكومة هو أن تقيس الاستقرار بعدد المتظاهرين، بدلاً من أن تقيسه بمقدار قدرة المواطن على تأمين حياته.
قد لا ينزل الناس إلى الشارع اليوم.
لكن كم أسرة خفّضت استهلاكها؟
كم موظفاً أصبح راتبه لا يكفي؟
كم عائلة أعادت النظر في تعليم أبنائها؟
كم مريضاً أصبح العلاج بالنسبة إليه عبئاً؟
وكم مواطناً بات يشعر أن العمل وحده لم يعد ضمانة لحياة مستقرة؟
هذه الأسئلة لا تظهر دائماً على شاشات التلفزيون.
لكنها، استراتيجياً، أكثر أهمية من كثير من العناوين السياسية.
لذلك فإن القضية اليوم ليست: هل ستسقط الحكومة بسبب الغلاء؟
هذا سؤال سياسي ضيق.
السؤال الأوسع والأخطر هو:
هل تستطيع الدولة أن تمنع الغلاء من التحول إلى أزمة ثقة بالدولة نفسها؟
هنا تحديداً يجب أن تتحرك الحكومة.
ليس خوفاً من الشارع، بل حمايةً للمجتمع.
وليس دفاعاً عن موقع سياسي، بل دفاعاً عن الاستقرار الوطني.
فالاستقرار لا يُبنى فقط بالتفاهمات بين القوى السياسية، ولا يُحمى فقط بالقرارات الأمنية، ولا يستمر فقط عبر إدارة التوازنات.
الاستقرار يبدأ من قدرة المواطن على أن يعيش بكرامة.
وحين تهتز هذه القاعدة، تهتز معها طبقات أخرى من البناء الوطني.
لقد اعتاد لبنان أن يعيش فوق أزماته، وأن يؤجل حلولها، وأن يمنح الوقت للوقت.
لكن الاقتصاد لا يملك دائماً هذا الترف.
هناك لحظة يصبح فيها التأجيل نفسه قراراً.
وهناك نقطة تتحول فيها الأزمة من ملف يمكن احتواؤه إلى واقع يفرض نفسه على الدولة والمجتمع معاً.
والرسالة إلى الحكومة، من موقع المسؤولية الوطنية، يجب أن تكون صريحة:
لا تنتظروا الانفجار الاجتماعي كي تثبتوا أنكم كنتم ترون أسبابه.
تحركوا قبل أن يصبح الغلاء لغة الشارع الوحيدة.
تحركوا قبل أن تتحول الفاتورة المنزلية إلى فاتورة سياسية.
تحركوا قبل أن يصبح المواطن مقتنعاً بأن الدولة لا تستطيع حمايته من انهيار قدرته على العيش.
فالزلزال الحقيقي لا يبدأ عندما تهتز الشوارع.
يبدأ عندما تهتز ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.
وهذه اللحظة، إذا كانت المؤشرات المعيشية الواردة في المقالتين تعكس حجم الضغط الفعلي على الأسر اللبنانية، تستحق من الحكومة أن تتعامل معها كإنذار استراتيجي مبكر، لا كخبر اقتصادي عابر.
لبنان لا يحتاج إلى انتظار ساعة الصفر.
لبنان يحتاج إلى دولة تتحرك قبلها.