لبنان ليس جائزة حرب
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط، كانت هناك قوة تحاول إقناع اللبنانيين بأن خلاصهم يمر عبرها. مرة باسم التحرير، ومرة باسم المقاومة، ومرة باسم السلام، ومرة باسم الأمن، ومرة باسم التوازنات الإقليمية. لكن ما لم يقله أحد للبنانيين يوماً هو أن وطنهم كان دائماً يدفع ثمن هذه المشاريع أكثر مما يجني من وعودها.
اليوم، وبعد عقود من الصراعات والحروب والتسويات والانهيارات، يقف لبنان أمام مشهد يكاد يكون الأكثر قسوة منذ انتهاء الحرب الأهلية. بلد يتراجع اقتصادياً، يتفكك اجتماعياً، ينزف بشرياً، ويعيش على وقع حرب مفتوحة وقلق دائم. ومع ذلك، لا يزال البعض يصر على تقديم الأزمة وكأنها مجرد مواجهة بين مشروعين متصارعين، وكأن قدر اللبنانيين أن يختاروا بين نفوذين بدل أن يختاروا وطنهم.
هذه هي الخدعة الكبرى.
فلبنان لم يعد مهدداً فقط بمشروع إسرائيلي يرى في استقرار هذا البلد خطراً على حساباته الأمنية والاستراتيجية، ولا بمشروع إيراني يعتبر الساحة اللبنانية جزءاً من منظومة نفوذ أوسع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية ومصالح شعبها. الخطر الحقيقي يكمن في أن اللبنانيين أنفسهم بدأوا يعتادون فكرة أن وطنهم لا يستطيع العيش إلا داخل ظل أحد المشروعين.
هنا تبدأ الهزيمة الحقيقية.
عندما يفقد شعب إيمانه بقدرته على إنتاج مشروعه الوطني الخاص، يصبح مجرد تفصيل داخل مشاريع الآخرين. وعندما تتحول الدولة إلى ساحة نفوذ، يصبح مصيرها مرتبطاً بحسابات لا تُصنع في عاصمتها ولا تُبنى على مصالح مواطنيها.
منذ سنوات طويلة، يُقال للبنانيين إن المعركة أكبر منهم. وإن القرارات المصيرية تُحسم خارج حدودهم. وإن مستقبلهم مرتبط بتوازنات إقليمية ودولية لا يملكون التأثير فيها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة من تبرير سياسي إلى ثقافة عامة. وهكذا بدأ اللبناني يعتاد فكرة أن السيادة حلم نظري، وأن الدولة الكاملة مجرد شعار، وأن التبعية لمشروع خارجي هي قدر لا يمكن تغييره.
لكن الأمم لا تسقط عندما تُهزم عسكرياً فقط. الأمم تسقط عندما تقتنع بأن مصيرها يجب أن يُكتب بأقلام الآخرين.
انظروا إلى الواقع كما هو، لا كما تصفه البيانات السياسية. الجنوب يدفع أثمان الحروب. الاقتصاد يدفع أثمان الصراعات. الأجيال الجديدة تدفع أثمان العجز المزمن عن بناء دولة طبيعية. وفي المقابل، تستمر القوى المتصارعة في تقديم نفسها باعتبارها الحل، رغم أن النتيجة النهائية التي يراها اللبنانيون أمام أعينهم هي دولة أضعف، ومؤسسات أكثر هشاشة، ومجتمع أكثر انقساماً.
لقد أثبتت العقود الماضية حقيقة لا يمكن تجاهلها: كل مشروع خارجي دخل لبنان وعد بحمايته، لكنه انتهى إلى تحميله أعباء إضافية. وكل محور طلب من اللبنانيين الثقة المطلقة به، ترك وراءه انقساماً أعمق مما كان موجوداً قبل حضوره. وكل قوة رفعت شعار إنقاذ لبنان، تعاملت معه في النهاية بوصفه جزءاً من أولوياتها لا بوصفه أولوية بحد ذاته.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه اليوم ليس من ينتصر في الصراع الدائر في المنطقة، ولا أي محور يمتلك اليد العليا، ولا أي عاصمة ستفرض شروطها في المفاوضات المقبلة. السؤال الحقيقي هو: متى يصبح لبنان مشروعاً للبنانيين لا ساحة لمشاريع الآخرين؟
هذا هو السؤال الذي يخشاه الجميع.
لأن الإجابة عنه تعني نهاية مرحلة طويلة من الارتهان السياسي والفكري. وتعني الاعتراف بأن قوة لبنان لا تُقاس بحجم ارتباطه بالمحاور، بل بقدرته على التحرر منها. وتعني أن الدولة لا يمكن أن تقوم طالما بقي قرارها موزعاً بين حسابات تتجاوز حدودها ومصالحها الوطنية.
لبنان ليس جائزة حرب. وليس تعويضاً جيوسياسياً لأحد. وليس صندوق بريد للرسائل الإقليمية. وليس ساحة اختبار لموازين القوى الدولية. لبنان وطن، أو يفترض أن يكون كذلك. وإذا لم يقرر اللبنانيون الدفاع عن هذه الحقيقة بأنفسهم، فلن يفعل ذلك أحد نيابة عنهم.
وعندما يكتب المؤرخون قصة هذه المرحلة بعد سنوات، لن يسألوا من ربح جولة هنا أو معركة هناك. سيسألون سؤالاً واحداً فقط: كيف تحولت دولة كاملة إلى ساحة يتنافس عليها الجميع، بينما غاب المشروع اللبناني الوحيد القادر على إنقاذها؟
المأساة ليست أن لبنان يقع بين المشروع الإيراني والمشروع الإسرائيلي، بل أن المشروع اللبناني نفسه أصبح الغائب الأكبر عن النقاش الوطني."