لبنان، الذي كان من أوائل الدول العربية التي نظّمت علاقتها الحدودية مع إسرائيل عبر اتفاقية الهدنة 1949، تحوّل لاحقاً من دولة تضبط حدودها إلى ساحة تُدار عليها الحروب
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم يكن لبنان دائماً ساحة مفتوحة.
في لحظة تاريخية مبكرة، حاول أن يكون دولة طبيعية، دولة تضبط حدودها وتُمسك بقرارها، حين وقّع اتفاقية الهدنة 1949، واضعاً إطاراً واضحاً للعلاقة الحدودية.
لكن هذا الإطار لم يصمد أمام تحولات المنطقة.
التحوّل الكبير بدأ مع انتقال منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، حيث تغيّر كل شيء: الجنوب لم يعد حدوداً، بل أصبح جبهة.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي ليُنهي هذا الوجود عسكرياً ويُخرج المنظمة، لكن الفراغ لم يكن نهاية… بل بداية مرحلة أخطر.
هنا دخلت سوريا بثقلها، لا كوسيط، بل كقوة أعادت رسم قواعد اللعبة:
أُغلِقت جبهة الجولان، وفُتِحت جبهة لبنان، ليصبح البلد خط الاشتباك الأساسي في الصراع مع إسرائيل.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّر تعريف لبنان:
لم يعد دولة على حدود… بل ساحة تُدار عليها الحدود.
استمر هذا الواقع حتى لحظة مفصلية هزّت المنطقة.
اغتيال رفيق الحريري لم يكن مجرد حدث أمني، بل زلزال سياسي أطلق ضغوطاً دولية كاسحة أجبرت سوريا على الانسحاب من لبنان، منهيةً مرحلة طويلة من النفوذ المباشر.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة كانت هنا:
الانسحاب لم يُعد الدولة… بل فتح الباب أمام صراع أكثر تعقيداً.
تقدّمت إيران عبر حزب الله، وترسّخ واقع جديد لبنان كساحة ضمن صراع إقليمي مفتوح، لا كدولة مستقلة القرار.
اليوم، تعود إسرائيل لتفرض وقائع جديدة جنوب الليطاني، محاولة رسم خطوط بالنار لا بالاتفاق.
وفي موازاة ذلك، يعلن دونالد ترامب أنه أبلغ بنيامين نتنياهو بوقف أي هجوم على لبنان، في مشهد يعكس صراع إرادات دولية أكثر مما يعكس استقراراً حقيقياً.
في الداخل، يقف جوزيف عون ومعه نواف سلام في مسار دعم التفاوض، في لحظة يراها البعض فرصة نادرة لإعادة تثبيت الدولة.
لكن لبنان ليس موحّداً حول هذه اللحظة.
هناك من يرى فيها فرصة تاريخية لاستعادة القرار السيادي وحصر السلاح بيد الدولة، وربما فتح باب تسوية تنهي عقوداً من الحروب.
وهناك من يرى أن المواجهة مع إسرائيل قدر لا يمكن كسره، وأن أي سلام خارج معادلة القوة هو تنازل خطير.
وهنا تكمن الحقيقة الأخطر:
لبنان لا يقف أمام خيار حرب أو سلام فقط…
بل أمام سؤال وجودي:
هل يعود دولة؟
أم يبقى ساحة؟
التاريخ يقدّم الإجابة بوضوح قاسٍ:
كلما غابت الدولة، امتلأت الأرض بالآخرين.
واليوم، يقف لبنان أمام لحظة نادرة لا تتكرر كثيراً:
إما أن يطوي أربعة عقود من الحروب، ويتجه نحو تثبيت دولة حقيقية،
أو ينزلق إلى مرحلة أخطر… حيث لا تعود المواجهة فقط مع الخارج، بل تمتد إلى الداخل نفسه.
لبنان لم يخسر حدوده فقط… بل يقف اليوم على حافة خسارة قراره.