وهم التفاوض في عقل ترامب… والشرق الأوسط على حافة حرب عقائدية”

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

وهم التفاوض في عقل ترامب… والشرق الأوسط على حافة حرب عقائدية”

في وقت يترقب فيه العالم أي إشارة حقيقية لخفض التوتر في الشرق الأوسط، تتكشف صورة مقلقة ومربكة في آن واحد: لا وجود فعلي لأي مسار تفاوضي حقيقي، رغم كل التصريحات التي تتحدث عن اتفاقات قريبة وتسويات محتملة. ما يُطرح اليوم لا يبدو كعملية سلام تقليدية، بل أقرب إلى خطاب سياسي أحادي، يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مشهد غير مألوف في إدارة الأزمات الدولية، حيث تُعلن مفاوضات لا يراها أحد، وتُطرح بنود لا وجود لها على أرض الواقع، مما يثير تساؤلات جدية حتى داخل الأوساط الغربية حول مصداقية هذا الطرح وحدوده.

المفارقة أن المنطقة لا تتحرك نحو التهدئة، بل تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فبدل أن نشهد وساطات حقيقية أو لقاءات دبلوماسية واضحة، يتصاعد التوتر ميدانيًا، وتتزايد الضربات، وتتعمق الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري. هذا الانفصال الخطير بين ما يُقال وما يحدث فعليًا يضع الشرق الأوسط في حالة غير مسبوقة من الفوضى، حيث تغيب القواعد التي حكمت الصراعات لعقود، ويصبح كل احتمال مفتوحًا، بما في ذلك الانزلاق إلى مواجهة أوسع لا يمكن السيطرة عليها.

في قلب هذا المشهد، تتحرك إيران ضمن معادلة معقدة لا يمكن اختزالها في وصف “الاندفاع” أو “الفوضى”. فالسلوك الإيراني، مهما بدا صادمًا، يعكس في جوهره استراتيجية تقوم على نقل المواجهة خارج حدودها، واستهداف مناطق حساسة اقتصاديًا، خصوصًا دول الخليج، لرفع كلفة أي صدام مباشر معها. ورغم أن الملف النووي يُستخدم كعنوان رئيسي لهذا الصراع، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا، إذ لا يزال الحديث عن امتلاك سلاح نووي فعلي يدور في دائرة الاحتمالات، لا الحقائق المؤكدة، وهو ما يجعل التوتر قائمًا على تقديرات سياسية بقدر ما هو قائم على معطيات واقعية.

في المقابل، يبدو أن ترامب يسعى إلى تحقيق نهاية سريعة للأزمة، لكن بطريقة تحفظ صورته كرجل صفقات قادر على فرض الحلول. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، حيث لم تنهَر إيران كما كان يُعتقد، بل أظهرت قدرة على الصمود مستفيدة من امتدادها الجغرافي ونفوذها الإقليمي، إلى جانب توظيفها للعوامل السياسية والدينية في آن واحد. ومع تصاعد التوتر، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الاقتصاد العالمي، حيث بدأت الأسواق تتأثر، وارتفعت أسعار النفط، وازدادت المخاوف من تداعيات أوسع قد تمس النظام المالي الدولي، ما يضع ضغوطًا إضافية على واشنطن للبحث عن مخرج سريع.

أما إسرائيل، فتنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة، إذ ترى أن المواجهة لم تُحسم بعد، وأن اللحظة الحالية قد تمثل فرصة لإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، وهو ما يجعل فكرة التهدئة أقل جاذبية في حساباتها، ويزيد من تعقيد أي محاولة للوصول إلى حل سياسي. وفي خضم هذا كله، تجد دول الخليج نفسها في قلب العاصفة، لا باعتبارها طرفًا مباشرًا في الصراع، بل كهدف استراتيجي يعكس موقعها الحساس في معادلة الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل استهدافها رسالة تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى العالم بأسره.

في النهاية، ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول عميق في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، حيث تختلط التصريحات بالافتراضات، وتتقدم الروايات على الحقائق، ويصبح “السلام” مجرد فكرة تُقال أكثر مما تُمارس. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمالات الحرب، بل في هذا الوهم الذي قد يدفع الأطراف إلى قرارات مبنية على تقديرات خاطئة، في لحظة لا تحتمل أي خطأ. وهنا، لم يعد السؤال ما إذا كانت هناك مفاوضات بالفعل، بل كم سيكلف هذا الوهم عندما ينهار أمام واقع لا يمكن تجاهله.