بين محاسبة السلطة والتمثيل الشعبي... درس أميركي للديموقراطيات

مهما ألمّت بلبنان عواصف وأزمات وتبدلات، تبقى خصائص تركيبته التعددية التي يترجمها إلى حدود بعيدة نظامه الدستوري ونظام الحياة السياسية فيه، ولو بغلبة ساحقة للمعيار الطائفي والمذهبي، تميز إرثه المديد في ديموقراطية هي مزيج تعدديته وانفتاحه التاريخيّ على ديموقراطيات الغرب وفي مقدمها فرنسا. هذه حقيقة اعترف بها العرب والغرب دوما للبنان في معادلة عجيبة، إذ يقترن الاعتراف الخارجي بخصوصية الديموقراطية اللبنانية التي تميز هذا البلد في محيطه العربي بنظرة شديدة السلبية إلى طبقته السياسية ودولته التي توصم بالإخفاق والضعف إلى حدود عميقة وحادة. وفي ظل هذه الحقيقة لا يعود غريباً انشداد اللبنانيين إلى استحقاقات انتخابية تمتلك كل عوامل الانجذاب إلى تنافسات ديموقراطية في بلدان وأنظمة تشكل مواسمها الانتخابية شهادات حاسمة على التغيير وتناوب السلطة والاحتكام إلى النظام الديموقراطي أيا تكن صيغته، أكثرية أم نسبية أم ما بينهما.هذه المعايير المبدئية تجعل الانتخابات النصفية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية نموذجاً معيارياً أمام اللبنانيين، الذين اختبروا في بلادهم، منذ الجمهورية الأولى مروراً بالحرب الكبيرة التي عصفت بلبنان بين منتصف السبعينيات ونهاية التسعينيات، وكذلك تجارب الحفاظ على الديموقراطية من جهة وامتهانها وتسخيرها واحتقارها خلال عصر الوصاية السورية الأسدية وشراكتها مع النفوذ الإيراني وصولاً إلى الحقبة الحالية. ونعني بالانتخابات المعيارية في الولايات المتحدة أنها طبعت نتائجها هذه المرة، وأكثر من أي تجارب سابقة، بطابع المحاسبة الصارمة الشرسة لعهد الرئيس دونالد ترامب في نصف ولايته الأول بموازاة الجانب التمثيلي الذي جاء بنصر ساحق للديموقراطيين.

بين محاسبة السلطة والتمثيل الشعبي... درس أميركي للديموقراطيات

تجسد الانتخابات النصفية الأخيرة في الولايات المتحدة نموذجاً فريداً يجمع بين وظيفتي المحاسبة الحازمة والتمثيل الحقيقي للإرادة الشعبية، مما يطرح أسئالاً حول جودة الممارسات الديموقراطية في أنظمة أخرى تدّعي الانتماء إلى القيم الديموقراطية.

شهدت هذه الانتخابات نتائج لم تسبق لها مثيل من حيث تركيزها على مساءلة الرئيس دونالد ترامب عن سياساته خلال السنوات الماضية، في الوقت الذي حقق فيه الديموقراطيون فوزاً ساحقاً يعكس تصحيحاً واضحاً لمسار السلطة التنفيذية.

هذا التجاوب المباشر بين الناخبين والمؤسسات الديموقراطية يعكس نظاماً يعتمد على تعاقب السلطة والمحاسبة الفعلية، وهو ما يميز الأنظمة الديموقراطية الراسخة عن غيرها. فالانتخابات هنا لا تقتصر على اختيار ممثلين، بل تشكل استفتاء مباشراً على أداء الحاكمين ومصدر ضغط حقيقي للتغيير والتصحيح.

هذه الديناميكية تثير تساؤلات حول مدى فعالية الأنظمة السياسية الأخرى في تحقيق هذا التوازن بين المحاسبة والتمثيل، خاصة في المجتمعات التي تعاني من ضعف مؤسسي وتأثر الحياة السياسية بمعايير غير ديموقراطية.