شبكات تهريب الصقور: لبنان ممر استراتيجي نحو أسواق الخليج

في ليلة 27 تشرين الأول 2026، عُثر على صقر هارب في منطقة جردية في قضاء بعلبك. غير أن العثور عليه كشف جانباً آخر من عالم تهريب الصقور والاتجار بها. فقد ادّعى أحد الأشخاص أن الطائر يعود إليه، قبل أن يتبيّن، بحسب المصدر المتابع للقضية، أنه يسعى إلى الاستحواذ عليه وبيعه لاحقاً.وبحسب وثائق اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES) كان الصقر قد بيع من بريطانيا إلى الإمارات العربية المتحدة، وكان موجوداً في سوريا بهدف الصيد به قبل أن يطير ويصل إلى لبنان ويجري خطفه. وينتمي هذا الطائر إلى نوع هجين يجمع بين الشاهين والجير (Gyrfalcon)، ما يرفع قيمته المالية. وكان صاحبه قد زوّده جهازاً لتحديد المواقع (GPS) لتتبّع تحركاته، إلى جانب خاتم في رجله يتيح التعرّف إليه.لكن المفارقة أن أشخاصاً في المنطقة طالبوا فدية مالية (آلاف الدولارات) في مقابل إعادته إلى صاحبه. وبعد أن فقد الأخير الأمل في استرجاعه، تواصل مع أحد المتابعين للقضية، الذي تمكّن من إبلاغ الدرك واستقدام دورية لتسلمه بعد مفاوضات. وبالفعل، أصبح الصقر في عهدة القوى الأمنية تمهيداً لتسليمه إلى صاحبه.تسلّط هذه الواقعة الضوء على جانب من تجارة الطيور البرية والجوارح في لبنان، حيث لا تقتصر المسألة على إدخالها أو إخراجها بطرق غير قانونية، بل تمتد إلى الاستحواذ عليها وإعادة بيعها، في ظل ارتفاع قيمتها وصعوبة ضبط مسارات انتقالها.من الحدود البرية إلى المطارات، تتحرك الصقور والطيور الجارحة ضمن مسارات تهريب عابرة للحدود، يغذيها الطلب المرتفع في الأسواق الخليجية. وبينما يُستخدم لبنان ممراً لهذه التجارة، تكشف الوقائع المسجلة ثغرات في الرقابة الرسمية، وصعوبة في ضبط حركة الطيور والاتجار بها.شهدت الحدود اللبنانية- السورية والمنافذ الجوية حملات أمنية كثيفة نفّذها الجيش اللبناني ووزارة الزراعة وقوى الأمن الداخلي، لإحباط عمليات تهريب الطيور البرية النادرة والثمينة، ومنها الصقور والنسور وطيور الحسون، التي تُنقل عبر مسارات غير شرعية باتجاه سوريا أو دول الخليج العربي.لبنان ممرّ للتهريبتدخل الصقور إلى لبنان بطرق غير شرعية من العراق وسوريا، أو من سوريا مباشرة، قبل أن تُهرّب إلى الخارج، وخصوصاً إلى دول الخليج. ويوضح مصدر متابع لهذه القضية، في حديث إلى النهار، أن لبنان لا يضم مزارع متخصصة بتكاثر الصقور وبيعها، ما يجعل سوريا والعراق المصدر الأساسي لهذه الطيور التي تمرّ عبر الأراضي اللبنانية في طريقها إلى أسواق أخرى.ويقول إن عمليات التهريب، ولا سيما منها المرتبطة بالطيور البرية، مستمرة على نطاق واسع، في ظل صعوبة ضبط الحدود بالكامل، الأمر الذي يتيح استخدام ممرات ومعابر غير شرعية لتهريب الحيوانات والاتجار بها.ووفق المصدر، تسلك هذه العمليات مسارين أساسيين: الأول من العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان وصولاً إلى دول الخليج، والآخر من سوريا مباشرة إلى لبنان، قبل نقل الطيور إلى وجهاتها النهائية. وبذلك، يُستخدم لبنان، بحسب توصيفه، دولة عبور في تجارة الصقور، لا بلداً مصدّراً لها.تهريب ليلي ومصالح متشابكةفي عام 2023، أوقفت دوريّة من فصيلة البترون في وحدة الدّرك الإقليمي شحنة مهرّبة، ضمت صقراً وطيوراً (350 حسوناً وأكثر من 1350 طائر زينة) أُدخلت من سوريا عبر معبر غير شرعي، بواسطة فان أبيض، على متنه شخص لبناني وآخر سوري وفق ما جاء في بيان للقوى الأمن. كذلك عُثر على طائر عُقاب إمبراطوري شرقي، مقيّد السّاقين داخل صندوق كرتوني، إضافةً إلى شبلَي أسد في قفصَيْن خشبيَّيْن، وأعداد كبيرة من الحساسين البرية محظور بيعها محلّيّاً ودوليّاً، موضوعة في أقفاص.تُسلط هذه الواقعة الضوء على تجارة خفية تشمل أنواعاً مختلفة من الطيور. وإن كان بعض عمليات التهريب أحبط، إلا أن هناك عدداً لا بأس به منها حصل بعيداً عن الأنظار. ولا يستبعد المصدر وجود غضّ نظر من بعض الأجهزة الأمنية عن عمليات التهريب، كما يتحدث عن احتمال تورّط بعض العناصر فيها. وفي حالات أخرى، ينجح المهرّبون والتجار في نقل الصقور والطيور بعيداً من الأنظار، مستفيدين من تنفيذ عملياتهم ليلاً، واستخدام مسارات جبلية وعرة يصعب الوصول إليها بالآليات العسكرية.ويضيف أن بعض شحنات التهريب التي أُوقفت أُفرج عنها لاحقاً، بعد تدخلات لم تتضح ملابساتها. ويقول: علينا أن نعترف بأن هناك مصلحة في عدم توقيف التهريب، لأنه بكل بساطة هناك مصالح مشتركة.من الاقتناء إلى التجارةولا تقتصر وجهة الطيور البرية والجوارح التي تدخل لبنان على إعادة تهريبها إلى الخارج. فبحسب المصدر، يُحتفظ ببعضها في المنازل والقصور الخاصة، فيما يُستخدم بعضها الآخر للتحنيط أو يُربّى في الحدائق والمزارع، إلى جانب الطيور التي تُنقل بغرض الاتجار بها وتصديرها.وتتفاوت الأسعار بحسب نوع الطائر وقيمته. إذا كنا نتحدث عن أنواع العقاب فقد يراوح سعره بين 400 حتى 800 دولار. لكن الأسعار ترتفع كثيراً عندما يتعلق الأمر بالصقور، إذ تراوح، بحسب المصدر، بين 5 آلاف دولار و800 ألف دولار، فيما وصل سعر بيع أحدها، في حالة أخرى، إلى مليون و200 ألف ريال، بحسب حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي تعرضها للبيع على صفحاتها.ولا ينفصل الإقبال على الصقور عن حضورها في الموروث الثقافي العربي، وخصوصاً في دول الخليج، حيث ترتبط بالصيد والتراث، فضلاً عن اعتبارها رمزاً للقوة والمكانة لدى بعض مقتنيها. غير أن هذا الشغف، حين يتحوّل إلى طلب تجاري مرتفع، قد يفتح الباب أمام استغلال الطيور البرية والاتجار بها بطرق غير مشروعة.ثغرات الرقابة ومسارات التهريبيربط الدكتور يحيى خطار، رئيس مصلحة مراقبة التصدير والاستيراد والحجر الصحي البيطري في وزارة الزراعة، جانباً من حركة تهريب الصقور عبر لبنان بالتغيّرات التي فرضتها الأزمة السورية منذ عام 2011. فخلال سنوات الأزمة، ومع العقوبات المفروضة على سوريا، تحوّل لبنان إلى ممرّ لجزء من حركة الاستيراد والتصدير المرتبطة بها، بما في ذلك بضائع كانت تُنقل من سوريا عبر الأراضي اللبنانية.لكن المشكلة، كما يوضح، تكمن في أن ال

شبكات تهريب الصقور: لبنان ممر استراتيجي نحو أسواق الخليج

تكشف وقائع متعددة عن نشاط تهريب منظم للطيور الجارحة والصقور عبر الأراضي اللبنانية، حيث يلعب البلد دوراً محورياً كممر عبور نحو دول الخليج، مستغلاً ارتفاع أسعارها وضعف الرقابة على الحدود.

في نهاية تشرين الأول الماضي، عُثر على صقر هجين نادر في منطقة جردية ببعلبك، كان قد بيع بشكل قانوني من بريطانيا إلى الإمارات ثم نُقل إلى سوريا للصيد به. بعد هروبه ووصوله إلى لبنان، حاول أشخاص في المنطقة الاستيلاء عليه لإعادة بيعه، طالبين فدية تصل لآلاف الدولارات. الطائر الذي زوّده صاحبه بجهاز تحديد مواقع وخاتم تعريف، لم يُسترجع إلا بعد تدخل الدرك اللبناني ومفاوضات طويلة.

تحدّد المعطيات مساريْن رئيسيين للتهريب: الأول ينطلق من العراق إلى سوريا فلبنان وصولاً للخليج، والثاني يسلك الطريق المباشر من سوريا عبر الأراضي اللبنانية. لبنان لا يضم مزارع متخصصة بتربية الصقور، ما يجعل سوريا والعراق المصدرين الأساسيين، بينما تُستخدم الحدود الشمالية والشرقية للبلاد كمعابر غير شرعية تُسهّل نقل هذه الثروة النادرة.

في عام 2023، أوقفت قوات الدرك شحنة مهرّبة تضمنت صقراً و350 طائر حسّون وأكثر من 1350 طائر زينة، إضافة إلى عقاب إمبراطوري شرقي وشبليْ أسد. لكن بعض الشحنات التي صُودرت أُطلق سراحها لاحقاً بعد تدخلات غامضة، ما يشير إلى احتمال تواطؤ من عناصر أمنية أو غياب رادع فعلي للعملية.

تتفاوت أسعار الصقور بشكل كبير حسب النوع والجودة: تراوح بين 5 آلاف و800 ألف دولار، وقد وصلت في حالات نادرة إلى مليون و200 ألف ريال. هذا الارتفاع الحاد في القيمة يعكس الطلب المرتفع خاصة في دول الخليج، حيث ترتبط الصقور بالموروث الثقافي والصيد التقليدي، وتُعتبر رموزاً للقوة والمكانة.

غير أن عمليات التهريب لا تقتصر على نقل الطيور للتصدير فحسب. يُحتفظ ببعضها في المنازل والقصور الخاصة، أو يُستخدم للتحنيط والتربية في الحدائق، بينما تُخضع عمليات أخرى الطيور لظروف نقل قاسية تشمل تقييد الأرجل وضم الأجنحة، مما يفضي لنفوقها قبل الوصول للوجهة المقررة.

تكمن الثغرات الأساسية في الرقابة برمتها. أولاً، تمتد الحدود السورية-اللبنانية على الجانبين الشمالي والشرقي بطريقة معقدة وعرة، مع وجود قرى متداخلة على طولها، ما يسهّل استخدام ممرات جبلية يصعب الوصول إليها بالآليات العسكرية. ثانياً، تتم عمليات التهريب في الليل بشكل أساسي، مستفيدة من الظلام والعوامل الطقسية. ثالثاً، يمكن نقل الصقور داخل أقفاص صغيرة أو ضمن الأمتعة، بل وفي أكياس عادية كأكياس البطاطا كما حدث مع عقاب إمبراطوري وصل من صربيا.

يرتبط جزء من هذه الظاهرة بتداعيات الأزمة السورية منذ 2011، حيث تحوّل لبنان إلى ممر لحركات استيراد وتصدير مرتبطة بسوريا في ظل العقوبات الدولية. لكن المشكلة الأعمق تكمن في عدم قدرة الجهات الرسمية برصد ما يعبر خارج المسارات القانونية. النقل القانوني للطيور يتطلب مستندات محددة منها شهادات صحية وشهادات اتفاقية سايتس الدولية، بينما يمكن تهريب الشحنات غير القانونية تحت أسماء وتصنيفات مختلفة، ما يعسّر كشفها بشكل كبير.

يضاف إلى ذلك أن وصول الطيور للمطار لا يعني بالضرورة إخضاعها للفحص البيطري أو إحالتها للمراكز المختصة، الأمر الذي يسمح بمرور شحنات دون رقابة حقيقية. كما يمكن لمسافر فرد حمل طائر معه نحو قطر أو السعودية أو الإمارات من دون المرور بالمراكز البيطرية في المطار.

وراء هذه الشبكات المعقدة تقف مصالح اقتصادية كبيرة. السوق السورية وحدها تشهد مسابقات ومزادات للصقور برسوم عالية جداً، ويتوجه بعض المهتمين لاختيار طيورهم بأنفسهم قبل نقلها عبر مسارات غير شرعية بعيداً عن الإجراءات الرسمية.

تكشف هذه الحقائق أن تجارة الصقور ليست مجرد حوادث متفرقة، بل شبكة عابرة للحدود تستغل ارتفاع قيمة الطيور والطلب المتزايد عليها. وبينما تتعدد الجهات والمسارات، يبقى السؤال معلقاً عن قدرة السلطات اللبنانية على ضبط حركة البضائع عبر أراضيها، خاصة في ظل احتمالات التواطؤ الداخلي وضعف الإجراءات الرقابية على الأرض.