ضغط دولي متعاظم على السلطات اللبنانية بشأن حصرية السلاح والقرار السيادي
لا تكمن أهمية البيان المشترك لسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا وكندا واليابانفي شأن متفجرات ضهر البيدر في تأكيده دعم حصرية السلاح بيد الدولة، فهذا موقف سبق أن عبّرت عنه واشنطن وعواصم أخرى في مناسبات عدة، بل في توقيته ومضمونه وهوية الدول التي اختارت أن تكون جزءاً منه. فالبيان لم يكتفِ بمطالبة السلطات باستكمال الإجراءات القضائية، بل ربط القضية بمسألة القرار السيادي، داعياً جميع النواب والأحزاب إلى إعلان موقف واضح من حصرية قرار الحرب والسلم.واللافت أن الدول الموقّعة لا تقتصر على الأطراف الأكثر حضوراً في تفاصيل الملف اللبناني. فإلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، حضرت أوستراليا وكندا واليابان، وهي دول لا تُدرج عادة في عداد العواصم التي تتولى إدارة الاتصالات السياسية اليومية في لبنان، ولا في التشكيلة الديبلوماسية التي اعتاد اللبنانيون رؤيتها في الملفات الكبرى، والتي تضم فرنسا والولايات المتحدة والسعودية ومصر وقطر. ولا يعني ذلك نشوء إطار دولي جديد، لكنه يشير إلى اتساع دائرة الدول التي تضع مسألة حصرية السلاح ومرجعية القرار السيادي في صلب موقفها من لبنان.رسالة تتجاوز الملف القضائياختيار التوقيت ليس تفصيلاً. فقد صدر البيان فيما لا تزال قضية ضهر البيدر أمام القضاء، وبعد ساعات من صدور مذكرتَي توقيف في حق اثنين في الملف، ليضع المسار القضائي تحت متابعة ديبلوماسية مباشرة. واستخدام تعابير مثل مسار قضائي سريع ومستقل وبعيداً من أي تدخل سياسي والمساءلة الكاملة يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدول الخمس لا تريد أن تنتهي القضية بتفاهم سياسي يسبق اكتمال التحقيق أو يفرغ نتائجه من مضمونها.هذا يحرج القضاء، الذي يجد نفسه أمام ملف يحظى باهتمام دولي، لكنه يضع السلطة التنفيذية أيضاً أمام مسؤوليتها. فرئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أكدا أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة، والحكومة أعلنت التزامها مبدأ حصرية السلاح. إلا أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في تكرار هذه المواقف، بل في القدرة على ترجمتها عندما تصطدم بالتوازنات السياسية والأمنية الداخلية.والأكثر دلالة أن البيان لم يتوجه إلى الحكومة وحدها، بل طالب جميع أعضاء مجلس النواب والأحزاب بإعلان تأييدهم العلني لهذا المبدأ. بذلك ينتقل الضغط إلى القوى السياسية نفسها، ويصبح من الصعب الاكتفاء بتأييد نظري لمرجعية الدولة، مع الاحتفاظ باستثناءات عملية في ملف السلاح وقرار الحرب والسلم.كلفة التسوية ترتفعردّ حزب اللهعبر النائب علي عمار، بعنف على البيان، واعتبره تدخلاً في الشؤون اللبنانية، مطالباً الدول الخمس بمواقف تدين الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وتؤيد حق المقاومة. ويكشف الرد حجم الحساسية التي أثارها البيان، بعدما جمع بين القضية القضائية ومطلب سياسي يتصل مباشرة بموقع الحزب في المعادلة اللبنانية.وتكمن أهمية توقيت البيان أيبضا عد حديث متصاعد عن تسوية القضية على الطريقة اللبنانية ليشير إلى كلفة هذه التفاهمات، بعدما بات الملف تحت مجهر دولي، وأيّ تعطيل للتحقيق أو التفاف على نتائجه قابلاً لأن يُقرأ دولياً بوصفه تراجعاً عن التزامات الدولة، لا مجرد معالجة داخلية لخلاف سياسي.في التجربة اللبنانية، لطالما شكّلت التسويات مخرجاً من الأزمات، لكنها تحولت أحياناً إلى وسيلة لتأجيل معالجة أسبابها. وهذه المرة، تحاول الدول الخمس إبقاء القضية خارج منطق الاحتواء المعتاد، وربطها بمسألة أكبر تتعلق بمرجعية القرار في البلاد.فالرسالة لا تقتصر على ضهر البيدر، ولا على مصير ملف قضائي بعينه. إنها تضع الدولة أمام اختبار قدرتها على ممارسة سلطتها، وتوسّع دائرة الدول التي تراقب هذا الاختبار. والتسوية لا تزال ممكنة، ولكن لم يعد مضموناً أن تمرّ، كما في محطات سابقة، من دون أثمان سياسية وديبلوماسية.
أطلقت خمس دول غربية وآسيوية بياناً مشتركاً بشأن قضية متفجرات ضهر البيدر، يتجاوز نطاق الملف القضائي ليطال مسائل سياسية حساسة تتعلق بممارسة الدولة لسيادتها على قرار الحرب والسلام وحصرية السلاح.
يتميز البيان الصادر عن سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا واليابان بأهميته ليس فقط من حيث محتواه، بل من خلال توقيته واختيار الدول الموقعة عليه. فقد أطلق البيان في لحظة حساسة من المسار القضائي، معقباً مباشرة على صدور مذكرات توقيف، مما يضع التحقيقات تحت مراقبة دبلوماسية مشددة.
تشير هوية الدول الموقعة إلى توسع في دائرة الفاعلين الدوليين المهتمين بملف السلاح اللبناني. إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، شاركت في البيان دول لا تعتبر عادة من المتدخلين المباشرين في إدارة الملفات السياسية الكبرى في لبنان، مما يعكس توسعاً في الاهتمام الدولي بهذه القضايا الأساسية.
يؤكد البيان على ضرورة مسار قضائي سريع ومستقل بعيداً عن أي تأثيرات سياسية، مع تحقيق مساءلة كاملة. كما يطالب جميع أعضاء مجلس النواب والأحزاب السياسية بالإعلان الصريح عن تأييدهم لمبدأ حصرية السلاح وسيادة القرار لدى الدولة، نقلاً بذلك الضغط مباشرة إلى القوى السياسية نفسها.
ردّ حزب الله بحدّة عبر النائب علي عمار، معتبراً البيان تدخلاً في الشؤون الداخلية، مطالباً الدول الخمس بمواقف تؤيد المقاومة وتدين الاحتلال. يكشف هذا الرد عمق الحساسية التي أثارها البيان لأنه يجمع بين قضية قضائية مباشرة وتحدياً سياسياً يمس موقع الحزب في المعادلة اللبنانية.
أكّد رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً للدولة، والحكومة أعلنت التزامها بمبدأ حصرية السلاح. غير أن الاختبار الحقيقي يكمن في ترجمة هذه المواقف عندما تصطدم بالتوازنات السياسية والأمنية المعقدة داخل البلاد.
يشير توقيت البيان أيضاً إلى محاولة الدول الخمس إبقاء القضية خارج منطق التسويات السياسية التقليدية التي اعتادت السلطات اللبنانية تطبيقها. من خلال وضع الملف تحت مجهر دولي، يصبح أي تعطيل للتحقيق أو التفاف على نتائجه قابلاً للقراءة الدولية كتراجع عن الالتزامات، بدلاً من كونه مجرد حل سياسي داخلي.
على الرغم من أن التسويات شكّلت في التجربة اللبنانية مخرجاً من الأزمات، فإنها حولت أحياناً دون معالجة جذرية لأسبابها. هذه المرة يحاول المجتمع الدولي فرض معايير مختلفة، حيث لن تمرّ أي تسوية محتملة دون تكاليف سياسية ودبلوماسية واضحة المعالم.