آيزنكوت والمسار الأمني: أربعة احتمالات لمستقبل الصراع مع حزب الله

قد لا يكون السؤال الأهم بعد اختيار غادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة ما إذا كان سيواصل الحرب ضد حزب الله أو يسعى إلى إنهائها. فهناك اتفاق إطار وقّعه لبنان واسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران 2026، ووضع خريطة طريق لإنهاء النزاع، واستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الأمنية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية.من هنا، فإن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستجد نفسها أمام اتفاق قائم، لا أمام مفاوضات تبدأ من الصفر. لكن وجود الاتفاق لا يعني أن طريق تنفيذه باتت سالكة، خصوصاً في ظل الخلافات حول ترتيب الالتزامات، ونزع سلاح حزب الله، والانسحاب الإسرائيلي، والضمانات الأمنية المطلوبة.وبينما يفتح تكليف آيزنكوت الباب أمام مقاربة مختلفة عن تلك التي اعتمدها بنيامين نتنياهو، فإن خلفيته العسكرية تطرح سؤالاً أساسياً: هل يستخدم القوّة العسكرية لتسريع تنفيذ اتفاق الإطار، أم يعيد التشدّد في شروطه، بما يهدد بإطالة المواجهة؟أربعة سيناريوهات يمكن أن ترسم مستقبل الحرب والتسوية خلال الأشهر المقبلة، لكن جميعها باتت تدور حول محور واحد:مصير اتفاق الإطار الثلاثي، ومدى قدرة الأطراف على الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ.اتفاق 26 حزيران: من إدارة الحرب إلى البحث عن إنهائهاشكّل توقيع اتفاق الإطار الثلاثي في واشنطن محطّة مفصلية في مسار العلاقات اللبنانية – الإسرائيلية، بعدما انتقل الطرفان، برعاية أميركية، إلى وضع أسس سياسية وأمنية لمعالجة النزاع.فالاتفاق لا يقتصر على وقف العمليات العسكريّة أو إعادة ترتيب الانتشار على الحدود. إنه يضع تصوراً أوسع يقوم على استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الفعلية على كامل أراضيها، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتفكيك بنيتها العسكرية، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي يخضع لآليات تحقق وتنسيق.كما ينص على إنشاء مسارات تفاوضية مباشرة برعاية الولايات المتحدة، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق شامل للسلام والأمن بين البلدين.وتبرز أهمية الاتفاق في أنه ربط بين ثلاثة ملفات لطالما شكّلت جوهر النزاع: السلاح خارج سلطة الدولة، والتوغل العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وغياب ترتيبات أمنية مستدامة تضمن عدم تجدد المواجهة.أما في الجانب التنفيذي، فيتضمن الاتفاق آلية تنسيق عسكريّ مدعومة أميركياً، وانسحاباً إسرائيلياً أولياً من منطقتين تجريبيتين، على أن تتولى القوّات المسلحة اللبنانية المسؤولية الأمنية فيهما بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية.لكن هذه الآلية تحمل في داخلها أحد أبرز أسباب التعثر المحتمل. فإسرائيل تربط الانسحاب بتحقق الالتزامات الأمنية، فيما يتمسك لبنان باستعادة سيادته وانسحاب القوات الإسرائيلية. أما حزب الله، فيرفض الترتيبات التي تستهدف سلاحه.وهكذا، فإن اتفاق الإطار الذي يفترض أن يشكل مدخلاً لإنهاء الحرب قد يتحوّل أيضاً إلى محور مواجهة سياسية وعسكرية حول شروط التنفيذ وتسلسل الخطوات.آيزنكوت أمام الاتفاق: تغيير في الأسلوب أم في الأهداف؟يحمل وصول غادي آيزنكوت إلى موقع تشكيل الحكومة الإسرائيلية دلالات تتجاوز التغيير السياسي الداخلي.فالرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي ارتبط اسمه بعقيدة الضاحية، التي تقوم على الاستخدام المكثف للقوّة العسكرية لتحقيق الردع، كما ارتبط بمقاربات عسكريّة تفضّل العمليات ذات الأهداف الواضحة على الاستنزاف المفتوح.ومن هذا المنطلق، قد لا يكون آيزنكوت أقل تشدداً من نتنياهو في ما يتعلق بالتهديد الذي يمثله حزب الله من وجهة النظر الإسرائيلية. لكن الاختلاف المحتمل يكمن في كيفية إدارة المواجهة، ومدى الاستعداد لتحويل النتائج العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية.فبدلاً من استمرار العمليات العسكرية من دون أفق نهائي واضح، قد يسعى آيزنكوت إلى ربط الضغط العسكري بمراحل تنفيذ اتفاق الإطار، خصوصاً إذا وجد في واشنطن شريكاً مستعداً لتوفير الضمانات والرقابة المطلوبة.لكن هذا التوجه يبقى مرتبطاً بقدرته على تشكيل حكومة مستقرّة. فرغم حصوله على توصيات 67 نائباً، فإن بناء ائتلاف قادر على الحكم يظل تحدياً، في ظل الانقسامات داخل المعسكر المناهض لنتنياهو، والحسابات المرتبطة بمشاركة الأحزاب العربية أو دعمها الخارجي للحكومة.وبالتالي، فإن مستقبل اتفاق الإطار لن يتحدد فقط وفق العقيدة العسكرية لآيزنكوت، وإنما أيضاً وفق طبيعة الائتلاف الذي سينجح في تشكيله، وحدود التوافق داخله على السياسة الأمنية تجاه لبنان.السيناريو الأول: تصعيد عسكري لفرض تنفيذ اتفاق الإطارقد تشهد الأشهر الأولى من عمر أي حكومة يقودها آيزنكوت تصعيداً عسكرياً ضد حزب الله، إذا اختارت إسرائيل استخدام القوّة للضغط باتجاه تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق الإطار.في هذا السيناريو، قد تتكثف الضربات ضد البنية العسكرية للحزب، ولا سيما ما تبقى من مخازن الأسلحة ومنظومات الصواريخ ومراكز القيادة وخطوط الإمداد، بهدف أنهاء قدراته الاستراتيجية وشل أي إمكانية لإعادة بناء قوّته العسكرية.وقد يكون التركيز على المناطق التي يشملها مسار الانسحاب التدريجي، في محاولة لفرض الوقائع الأمنية التي تسمح بالانتقال إلى المرحلة التنفيذية من الاتفاق.لكن هذا التصعيد لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستقرر خوض حرب أوسع كما زعمت وسائل إعلامية إسرائيلية في الأيام الماضية، فقد يكون الهدف تنفيذ عمليات محدودة زمنياً، لكنها شديدة التأثير، لإجبار حزب الله على التكيّف مع الترتيبات الأمنية الجديدة.ويكتسب هذا الاحتمال أهمية في المدى القريب، خصوصاً إذا اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن تنفيذ الاتفاق يواجه عراقيل جديّة.ومع ذلك، فإن استخدام القوّة يحمل مخاطر واضحة. فقد يؤدي رد حزب الله إلى توسيع المواجهة، كما قد تؤدي الضربات الإسرائيلية إلى إضعاف البيئة السياسية والأمنية المطلوبة لتنفيذ الاتفاق، وتحويله من فرصة للتسوية إلى سبب إضافي لاستمرار الحرب.السيناريو الثاني: تفعيل اتفاق الإطار والانتقال إلى تسوية أمنيةيتمثل السيناريو الثاني في أن تختار حكو

آيزنكوت والمسار الأمني: أربعة احتمالات لمستقبل الصراع مع حزب الله

تواجه إسرائيل واقعاً جديداً مع تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة، حيث لن تكون أمامها خيارات مفتوحة بل اتفاق إطار ملزم وقّعته مع لبنان والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران 2026. هذا الاتفاق يضع خارطة طريق واضحة لإنهاء النزاع وليس مجرد وقف للعمليات، بل يتضمن استعادة السيطرة الأمنية للدولة اللبنانية وانسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية.

يرتكز الاتفاق على ثلاث محاور أساسية: حصرية السلاح للدولة اللبنانية مع نزع سلاح الجماعات المسلحة، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية، وإنشاء آليات تنسيق عسكري برعاية أميركية للتحقق من تنفيذ الالتزامات. لكن رغم أهمية هذا الإطار، تحيط به خلافات جوهرية حول تسلسل تنفيذ الخطوات والضمانات الأمنية المطلوبة، مما قد يحول الاتفاق من فرصة لإنهاء الحرب إلى ساحة جديدة للنزاع السياسي.

تاريخ آيزنكوت العسكري يطرح أسئلة حول توجهاته. فالرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي اشتهر باعتماد عقيدة تقوم على استخدام مكثف للقوة العسكرية لتحقيق الردع والأهداف المحددة بوضوح، بدلاً من الحروب الاستنزافية المفتوحة. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل سيستخدم آيزنكوت الضغط العسكري لتسريع تنفيذ بنود الاتفاق أم سيعيد صياغة شروطه بما يطيل أمد المواجهة؟

يرسم المسار المقبل أربعة سيناريوهات محتملة. الأول يقوم على تصعيد عسكري محسوب لإجبار الأطراف على احترام التزاماتهم، من خلال ضربات موجهة ضد البنية العسكرية لحزب الله وخطوط إمداده، مع التركيز على المناطق المحددة في الاتفاق للانسحاب التدريجي. لكن هذا المسار حمّال أوجه، فقد يؤدي رد الحزب إلى توسيع المواجهة بدلاً من إجبار الامتثال.

السيناريو الثاني ينطلق من رغبة حقيقية في تفعيل الاتفاق عملياً. هنا قد تعطي حكومة آيزنكوت الأولوية للخطوات التنفيذية المتزامنة: انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، وسحب الأسلحة غير الشرعية، وفي المقابل انسحاب إسرائيلي متدرج. يتطلب نجاح هذا المسار دوراً أميركياً قوياً في المراقبة والضمانات، وحسماً لبنانياً في تنفيذ شروط حصرية السلاح.

السيناريو الثالث الأكثر احتمالاً قصيراً يقوم على استمرار الاتفاق نصياً مع عدم القدرة على تنفيذه الفعلي على الأرض. فقد تستمر الخلافات حول آليات التنفيذ وتسلسل الالتزامات، لا سيما بين موقف إسرائيل التي تربط أي انسحاب إضافي بضمانات أمنية كاملة، وموقف لبنان الذي يطالب باستعادة السيادة الفورية. في هذه الحالة تستمر الضربات الإسرائيلية المحدودة بالتوازي مع المفاوضات الأميركية من دون تحقيق اختراق، وهو ما يضر لبنان اقتصادياً واستقراراً بشكل أساسي.

أما السيناريو الرابع فيتجاوز الترتيبات الأمنية المحدودة ليطرح احتمالاً أوسع: تحويل الاتفاق إلى أساس لتسوية شاملة بين الدولتين تتناول الحدود والترتيبات الدائمة والعلاقات المستقبلية. لكن هذا المسار يبقى بعيد المنال قصيراً لأنه يتطلب تحولات إقليمية أوسع وحسماً داخلياً لبنانياً حول طبيعة أي تسوية.

الاختبار الحقيقي أمام آيزنكوت لن يكون في قدرته على مواصلة العمليات العسكرية، بل في ما إذا كان سيستخدم القوة كأداة لتمكين تنفيذ الاتفاق أم سيسمح باستمرار حرب بدون أفق واضح رغم وجود إطار سياسي موقع. الأشهر المقبلة ستحدد مصير اتفاق 26 حزيران، والذي أصبح محور الصراع بين إسرائيل وحزب الله بدلاً من كونه حلاً له.

تواجه الدولة اللبنانية معادلة معقدة: كيف تستعيد سيادتها الكاملة على أراضيها وفي نفس الوقت تنفذ التزاماتها الأمنية بسحب السلاح غير الشرعي؟ وكيف تضمن أن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون وعداً مؤجلاً؟ الإجابة تتطلب ضمانات دولية واضحة ودعماً لتقوية سلطة الدولة على حساب الجماعات المسلحة، وهو ما يفتح باباً جديداً للانقسامات الداخلية.