سعد الحريري أمام لحظة الحقيقة: عودة تقلب لبنان… أم فراغ يفتح أبواب الانفجار؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لحظة إقليمية مضطربة، ووسط انهيار اقتصادي غير مسبوق، وانكشاف سياسي شامل، يقف لبنان اليوم أمام مفترق مصيري جديد، عنوانه: سعد الحريري.
ليس بوصفه زعيمًا سابقًا، ولا رئيس حكومة سابقًا فقط، بل كرمز لمرحلة كاملة، وركيزة أساسية في التوازن الوطني والطائفي، وصمام أمان سياسي مهدّد بالغياب.
ومع اقتراب الاستحقاق النيابي، يعود السؤال الكبير إلى الواجهة: هل يعود الحريري إلى المواجهة؟ أم يترك الساحة لفراغ قد يغيّر وجه لبنان لسنوات طويلة؟
14 شباط… التاريخ الذي يصنع السياسة
ليست ذكرى 14 شباط مجرّد محطة عاطفية مرتبطة باستشهاد الرئيس رفيق الحريري، بل تحوّلت، عبر السنوات، إلى منصة سياسية من الطراز الأول، تُطلق منها الرسائل الكبرى، وتُعاد فيها صياغة التوازنات.
في هذا اليوم تحديدًا، يُنتظر أن يطلّ سعد الحريري بخطاب استثنائي، مرتفع السقف، واضح الاتجاه، يضع فيه النقاط على الحروف، ويحدّد معالم المرحلة المقبلة، من دون أن يكشف كل أوراقه دفعة واحدة.
فالسياسة، كما يعرفها الحريري جيدًا، تُدار بالصبر والتوقيت، لا بالاندفاع.
حتى اللحظة، لم يعلن سعد الحريري موقفه النهائي من خوض الانتخابات النيابية. غير أن هذا «الصمت» لا يعني تردّدًا، بل يعكس حسابات دقيقة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الإقليمية والدولية.
فالغياب عن الانتخابات لا يعني انسحابًا عابرًا، بل قد يشكّل عمليًا نهاية مرحلة سياسية كاملة، وتفكيكًا تدريجيًا لدوره التاريخي في قيادة الطائفة السنية.
لذلك، يتحوّل قراره اليوم إلى قرار وطني، لا شخصي.
الشارع السني: لا بديل ولا ترف الخيارات
في عمق الأزمة، يتمسّك الشارع السني بسعد الحريري بوصفه المرجعية الوحيدة القادرة على تمثيله بفعالية داخل الدولة.
لا زعيم آخر استطاع حتى الآن أن يملأ هذا الفراغ. ولا مشروع سياسي بديل يملك الوزن الشعبي نفسه.
وتشير التقديرات إلى أن مشاركة الحريري في الانتخابات قد تتيح له تشكيل كتلة نيابية وازنة، تصل إلى نحو 25 نائبًا، في حال لم تطرأ متغيّرات كبرى.
هذا الرقم لا يعكس قوة انتخابية فقط، بل يعكس حاجة سياسية وطنية لوجود توازن داخل النظام اللبناني المترنّح.
السعودية والحريري: من الفتور إلى إعادة التموضع
على عكس ما يُروّج، لم تنقطع العلاقة بين سعد الحريري والمملكة العربية السعودية، بل مرّت بمرحلة فتور وإعادة تقييم.
اليوم، تشير المعطيات إلى تقارب تدريجي، ورسائل إيجابية غير معلنة، تؤكد أن الرياض لن تكون طرفًا مباشرًا في الانتخابات اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه لا تعتبر الحريري خصمًا لها.
بل على العكس، يبقى في نظر كثيرين الخيار الأكثر اعتدالًا، والأقدر على حماية الحضور العربي في لبنان.
لا يمكن تجاهل حالة الغضب الصامت داخل الشارع السني من طريقة التعامل السابقة مع سعد الحريري.
فالكثيرون يرون أن ما جرى لم يستهدف شخصه فقط، بل مسّ بكرامة الطائفة ودورها الوطني.
الحريري، بالنسبة لجمهوره، ليس مجرد سياسي، بل عنوان للاعتدال، وجسر مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وحائط صدّ أمام مشاريع التهميش والعزل.
في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى تجارة، يُسجَّل لسعد الحريري أنه دخل الحياة العامة بثروة كبيرة، وخرج منها وقد خسر جزءًا أساسيًا من إمكاناته المالية.
لم يراكم ثروته في السلطة، بل استنزفها في سبيل البقاء داخلها.
وهذه التجربة، مهما اختلفت الآراء حولها، تبقى استثناءً في المشهد اللبناني.
اليوم، يقف سعد الحريري أمام امتحان تاريخي:
إمّا العودة بقوة إلى قلب المعادلة السياسية، وترميم الموقع السني داخل الدولة، وإمّا ترك الساحة لفراغ خطير، قد يُفتح على فوضى سياسية وطائفية لا يمكن ضبطها.
وفي بلد هشّ مثل لبنان، لا يُملأ الفراغ بسهولة، بل غالبًا ما يتحوّل إلى أزمة مزمنة.
الرسالة اليوم واضحة:
إلى الداخل اللبناني: لا استقرار من دون شراكة حقيقية. إلى الإقليم: لا يمكن تجاوز المزاج السني في لبنان. إلى المجتمع الدولي: الاعتدال لا يُهمَّش من دون ثمن.
وسعد الحريري، رغم كل العواصف، لا يزال حتى اللحظة التعبير الأبرز عن هذا الاعتدال.
لم يعد قرار سعد الحريري مرتبطًا بمقعد نيابي أو حكومة عابرة.
إنه قرار يطال هوية لبنان السياسية، ومستقبل الطائفة السنية، ومعادلة الاستقرار في منطقة تعيش على حافة الانفجار.
الأسابيع المقبلة ستكون فاصلة.
إما عودة مدوّية تعيد رسم المشهد، أو بداية مرحلة مجهولة العناوين.
وفي الحالتين… لبنان لن يكون كما كان.