العراق على فوهة الانفجار: المالكي رهينة إيران… وترامب يشهر سلاح العزلة

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

العراق على فوهة الانفجار: المالكي رهينة إيران… وترامب يشهر سلاح العزلة

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعود اسم نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي العراقي، لا كمرشح داخلي عادي، بل كورقة تفاوض إيرانية في مواجهة الضغوط الأميركية المتصاعدة، في صراع مفتوح قد يعيد رسم مستقبل العراق والمنطقة.

تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هدّد فيه بقطع الدعم عن بغداد في حال عودة المالكي، لم يكن موقفاً إعلامياً عابراً، بل رسالة استراتيجية محسوبة، تعكس تحولاً عميقاً في مقاربة واشنطن للملف العراقي، وربطه المباشر بالمواجهة مع طهران.

فالولايات المتحدة، التي قدّمت منذ عام 2003 مليارات الدولارات دعماً أمنياً واقتصادياً للعراق، ترى اليوم أن إعادة إنتاج التجربة السابقة تمثل مخاطرة سياسية وأمنية لا يمكن القبول بها.

المالكي… من مرشح سياسي إلى أداة تفاوض

رغم نفي إيران المتكرر لتدخلها في الشأن العراقي، تؤكد الوقائع السياسية منذ سقوط النظام السابق أن النفوذ الإيراني كان عنصراً حاسماً في تشكيل الحكومات وتوجيه القرار في بغداد.

واليوم، يبدو أن اسم المالكي يُستخدم كورقة ضغط مدروسة، لرفع سقف التفاوض مع واشنطن، لا بهدف تشكيل حكومة مستقرة، بل لتحقيق مكاسب استراتيجية.

فطهران تدرك أن المالكي يمثل خطاً أحمر أميركياً، وأن طرحه على الطاولة يشكّل رسالة سياسية مفادها: لدينا أوراق قادرة على إرباك المشهد.

مساومة على الحشد… ومساومة على النفوذ

تشير معطيات سياسية متقاطعة إلى أن إيران تسعى إلى استخدام ورقة المالكي للمساومة على ملفين بالغَي الحساسية:

أولاً، ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، في ظل تصاعد الدعوات الأميركية لإعادة هيكلته، وتقليص نفوذ الفصائل المصنفة إرهابية، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة.

وهنا تلوّح طهران بصفقة غير معلنة: سحب المالكي مقابل تخفيف الضغوط على الحشد.

ثانياً، ملف التفاوض المباشر مع واشنطن، حيث تواجه إيران ثلاثة مطالب مركزية: تقليص التخصيب النووي، كبح الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الأذرع الإقليمية، من لبنان إلى اليمن.

وفي هذا السياق، يبقى العراق بالنسبة لطهران خط الدفاع الأول، وخطاً أحمر لا يمكن التفريط به.

الخطر الحقيقي: استدعاء مرحلة الانهيار

تكمن خطورة عودة المالكي، ليس فقط في بعدها الجيوسياسي، بل في دلالتها الداخلية الأخطر.

فالفترة الممتدة بين عامي 2006 و2014 شهدت تصاعداً في الانقسام الطائفي، وتهميشاً سياسياً، وضعفاً مؤسسياً، وانهياراً أمنياً، انتهى بسقوط الموصل وصعود تنظيم داعش.

إعادة إنتاج تلك المرحلة تعني، عملياً، فتح الباب أمام دورة جديدة من عدم الاستقرار، يدفع ثمنها المواطن العراقي وحده.

ترامب، بأسلوبه الصدامي المعروف، اختار توجيه رسالته علناً، واضعاً كامل ثقله السياسي لمنع هذا السيناريو.

فالتهديد بالعزلة، وتقليص المساعدات، وفرض الضغوط الاقتصادية، لم يعد مجرد أدوات نظرية، بل خيارات مطروحة بجدية على الطاولة.

وهذا ما يفسّر القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية العراقية.

الحرب أم التفاوض؟ حسابات طهران المعقّدة

تدرك إيران أن المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة ستكون مدمّرة، ولذلك تفضّل مسار التفاوض باعتباره الأقل كلفة.

لكن في المقابل، تشعر أن واشنطن تمضي تدريجياً نحو تشديد الخناق، عبر العقوبات، والحشود العسكرية، والتصعيد السياسي.

ورغم أن خيار الضربة العسكرية لم ينضج بعد، بسبب غياب شروط داخلية وخارجية حاسمة، فإن منسوب التوتر بلغ مستويات غير مسبوقة.

العراق… ساحة صراع أم دولة ذات سيادة؟

منذ عام 2003، يعيش العراق في قلب صراعات إقليمية ودولية متشابكة، وفي مقدمتها الصراع الأميركي–الإيراني.

وخلال السنوات الماضية، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة تصفية حسابات، بدلاً من أن يكون دولة مستقلة القرار.

واليوم، يقف أمام اختبار مصيري جديد: إما أن يستعيد توازنه وسيادته، وإما أن يعود رهينة الصفقات والمحاور.

ترشيح نوري المالكي ليس مجرد استحقاق دستوري، بل محطة مفصلية في تاريخ الدولة العراقية.

إنه اختبار لإرادة الطبقة السياسية، ولمدى قدرتها على التعلم من أخطاء الماضي، وحماية البلاد من الانزلاق مجدداً نحو الفوضى.

فالعراق اليوم لا يحتاج إلى وجوه مستهلكة، ولا إلى صراعات مستوردة، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة، ويحصّن الدولة، ويمنح الأمل لشعب أنهكته الحروب والتجارب الفاشلة.

وفي لحظة الحقيقة هذه، سيكون الخيار واضحاً: إما دولة…

أو ساحة صراع.

والتاريخ، كما علّمنا دائماً، لا يرحم من يضيّع الفرص الأخيرة.