طرابلس تُقتل ببطء… والدولة تتفرّج

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري خاص مراسل نيوز

طرابلس تُقتل ببطء… والدولة تتفرّج

طرابلس ليست مدينة “منسية”.

طرابلس مدينة محكومة بالإهمال، ومقصودة بالتجويع، ومطوّقة بالعتمة، ومهددة بالسقوط فوق رؤوس أهلها.

أنا لا أكتب اليوم مقالاً إنشائياً.

أنا أكتب اتهاماً سياسياً واضحاً:

ما يجري في طرابلس ليس أزمة خدمات… بل سياسة عقاب جماعي.

في أي دولة محترمة، انهيار مبنى يعني حالة طوارئ وطنية، تحقيقاً شفافاً، وخطة إنقاذ فورية.

أما في طرابلس، فالانهيار يُعامل كخبر عابر… ثم يُترك الناس ليعودوا إلى بيوتهم المتصدّعة وكأن شيئاً لم يحدث.

طرابلس مدينة بلا ماء… بلا كهرباء… بلا كرامة

طرابلس تُدفن تدريجياً، لا بالتراب فقط، بل بالصمت الرسمي.

نحن لا نتحدث عن رفاهية.

نحن نتحدث عن الحد الأدنى من الحياة:

لا ماء بشكل منتظم

لا كهرباء إلا بفاتورة إذلال

تعليم رسمي مهترئ كأن

 الدولة قررت أن تمنع

 المستقبل عن أولادنا

مافيات مولّدات تحكم

 الأحياء أكثر مما تحكمها المؤسسات

سلامة عامة معدومة

 ومبانٍ تنتظر لحظة سقوطها التالية

هل هذه دولة؟

أم إدارة انهيار؟

أم سلطة تتفرّج على مدينة تختنق وتقول للناس: “تحمّلوا”؟

أنا ابن طرابلس وأقولها بلا خوف:

هذا ليس تقصيراً… هذا انعدام مسؤولية سياسي وأخلاقي.

مافيات الكهرباء: الدولة التي تخلّت عن سيادتها

حين تصبح الكهرباء رهينة مولّدات، فهذا ليس خللاً تقنياً.

هذا إعلان واضح أن الدولة سلّمت قطاعاً سيادياً لمنظومة نفوذ وسوق سوداء.

في طرابلس، المواطن لا يدفع ثمن الكهرباء فقط…

بل يدفع ثمن الإذلال:

تسعيرة بلا رقابة، ساعات بلا ضمان، تهديد مبطّن، وناس تُجبر على الدفع كي لا تُدفن في العتمة.

أي سلطة تسمح بهذا ليست سلطة عاجزة فقط…

بل سلطة شريكة في خلق دولة داخل الدولة.

حين تنهار الأبنية… تنهار الدولة معها

المباني لا تنهار فجأة.

هي تنهار بعد سنوات من:

غياب الصيانة

غياب الرقابة

غياب قرارات الإخلاء

غياب البدائل السكنية

غياب أي مفهوم للسلامة العامة

الناس في طرابلس ينامون تحت سقف لا يعرفون إن كان سيصبح قبراً في الصباح.

وهذا ليس قدراً.

هذا قرار سياسي غير معلن عنوانه:

“عيشوا كيف ما عشتوا… المهم لا تُزعجوا أحداً.”

طرابلس ليست هامشاً… طرابلس تُختبر بها شرعية لبنان

وأي سلطة لا تملك خطة طوارئ لهذه المدينة، لا تملك حق الكلام عن “سيادة” ولا “إصلاح” ولا “إنقاذ”.

طرابلس ليست مجرد مدينة فقيرة.

طرابلس مدينة ضخمة، بشرها طاقة، شبابها قوة، وكرامتها لا تُشترى.

لكن السلطة تتعامل معها كأنها عبء… كأنها فائض… كأنها خارج الحسابات.

وهنا أصل المشكلة:

طرابلس لا تُهمَل فقط… طرابلس تُدار خارج العدالة.

القنبلة الموقوتة ليست في الشارع… القنبلة في الظلم

حين تُحاصر مدينة:

بالفقر

بالعتمة

بانهيار المدارس

بانعدام الفرص

وبخطر الموت تحت الركام

فأنت لا “تمنع الانفجار”…

أنت تؤجّله فقط… وتجعله أعنف.

طرابلس على باب انفجار قنبلة موقوتة.

لكن هذه القنبلة ليست من صنع أهلها.

هذه القنبلة من صنع سلطة قررت أن تترك المدينة تموت ببطء.

أنا لا أطلب صدقة… أنا أطالب بحقي

أنا لا أكتب لأتسوّل مشاريع.

أنا أكتب لأعلن أن طرابلس لها حق، والحق لا يُفاوض عليه.

ارفعوا الظلم عن مدينتي. فوراً.

أوقفوا ترك الأبنية تنهار فوق الناس

وفّروا بدائل سكنية لائقة لمن هم تحت الخطر

أعيدوا الكهرباء إلى الدولة لا إلى المافيات

أعيدوا الماء كحق لا كمنّة

أنقذوا التعليم الرسمي قبل أن ينهار جيل كامل

أنشئوا إدارة طوارئ وكوارث حقيقية لا مجرد شعارات

طرابلس صبرت كثيراً.

لكن الصبر ليس تفويضاً للاستمرار في الظلم.

طرابلس ليست مدينة تستجدي الحياة…

طرابلس مدينة تُحاكم من صادر منها الحياة.

وأقولها بوضوح:

من يترك طرابلس بلا ماء وبلا كهرباء وبلا أمان، ثم يطلب منها أن تبقى “هادئة”…

هو لا يفهم السياسة، ولا يفهم المجتمع، ولا يفهم معنى الدولة.

طرابلس ليست على حافة الانهيار فقط…

طرابلس على حافة كشف الحقيقة:

أن هذه السلطة لا تبني وطناً… بل تدير خراباً.

مدينتي ليست ملفاً. مدينتي قضية.

ومدينة تُقتل ببطء… ستتكلم بصوت أعلى من صمتكم.